وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال «لا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين» .
فخذ أخي في الله نفسك بالجد والمنافسة والمسابقة والمسارعة في الخير، ولا تنس نصيبك من الدنيا، واعلم أن الغبطة حقًا في العمل الصالح، الذي هو صمام الأمان وسر السعادة في الدنيا والآخرة، فاجعل منافستك في ذلك، كن سباقًا إلى المساجد وإلى أداء الواجبات من حقوق الله وحقوق الخلق، كن ورعًا مبتعدًا عن محارم الله. وإذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة» .
واعلم وفقك الله أن الغبن في هذا ليس باليسير، بل لا يكاد يوصف، وفرق ما بين الثرى والثريا. وكما قيل:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
واعلم أن الخسارة في هذا لا تشبهها خسارة، فالخسارة الكبرى والمصيبة العظمى، والكسر الذي لا يمكن جبره أن يصاب الإنسان في دينه فيخسر دنياه وآخرته ونفسه وأهله وولده وماله وكل شيء، كما قال عز وجل: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [1] .
واعلم أن الربح في هذا لا يقدر ولا يحد، بل هو سعادة الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى من فضله التوفيق للإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذا غاية الربح، وهذا تمام النعمة الذي عناه الله عز وجل بقوله: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [2] ، وبقوله: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [3] .
(1) سورة الزمر، آية: 15.
(2) سورة البقرة، آية: 150.
(3) سورة المائدة، آية: 3.