فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا، فإذا مات (أي العبد الصالح) تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا إلى روضة من رياض الجنة، ينعم فيها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش، وإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع المتقين وحزبه المفلحين!! { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الجمعة: 4] [1] .
قال أبو نواس، رحمه الله تعالى:
أفنيت عمرك والذنوب تزيدُ ... والكتاب المحصي عليك شهيد
كم قلت: لست بعائد في سوءةٍ ... ونذرت فيها ثم صرت تعود
حتى متى لا ترعوي عن لذةٍ ... وحسابها يوم الحساب شديد [2]
أخي: يا قليل النظر في أمره! يا غافلًا عن ذكر قبره!! أما نقل الموت واحدًا واحدًا، وها هو قد أضحى نحوك قاصدًا، كم سلب ولدًا وأخذ والدًا!! إلى متى تصبح جاهلًا وتمسي ماردا؟! وعن طريق الهدى حائدًا؟!! وتحث على النهوض وما تبرح قاعدا!! متى يذوب دمع ما يزال جامدًا؟! يا من إذا قاربه النصح أضحى متباعدًا!! لقد نظرت لنفسك نظرًا فاسدًا!! يا نائمًا عن خلاصه راقدًا!! متى نراك لربك ساجدًا؟! متى تكون لمولاك عابدًا؟! متى تكون في درب الخير قائدًا [3] ؟!
الموعظة الثانية عشرة
عن زائدة رحمه الله قال: «صليتُ ذات ليلة مع أبي حنيفة رحمه الله في مسجده العشاء وخرج الناس، ولم يعلم أن في المسجد أحدًا، فأردت أن أسأله عن مسألة، فقام يصلي من الليل، فافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ قوله تعالى: { فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } [الطور: 27] فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح!! وأنا ما زلت أنتظره» [4] !!
(1) كتاب الفوائد - لابن القيم -.
(2) ديوان أبي نواس.
(3) كتاب التبصرة - لابن الجوزي -.
(4) كتاب إقامة الحجة - للكنوي -.