و ذكر المفسرون: أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرون على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذى كان فرعون مصر في زمن يوسف، و قيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، و قيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فاللّه أعلم.
و سيأتى مدحها و الثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، و أنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الجنة. فلما فتحت الباب و كشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية و الجلالة الموسوية، فلما رأته و وقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ و أمر بذبحه، فاستوهبته منه و دفعت عنه و قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ فقال لها فرعون: أما لك فنعم، و أما لى فلا، أي لا حاجة لى به و البلاء موكل بالمنطق، و قولها: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا و قد أنالها اللّه ما رجت من النفع، أما في الدنيا: فهداها اللّه به، و أما في الآخرة: فأسكنها جنته بسببه أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا و ذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد، قال اللّه تعالى:
وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يدرون ما ذا يريد اللّه بهم أن قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون و جنوده وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) * وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) ، (القصص) .
قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و سعيد بن جبير و أبو عبيدة و الحسن و قتادة و الضحاك و غيرهم: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا أي من كل شى ء من أمور الدنيا إلا من موسى إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي لتظهر أمره و تسأل عنه جهرة لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها أي صبرناها و ثبتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و قالت لأخته و هى ابنتها الكبيرة: قُصِّيهِ أي اتبعى أثره و اطلبي له خبره فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ