فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 200

و المراد بالتنور عند الجمهور: وجه الأرض، أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار. و عن ابن عباس: التنور عين في الهند، و عن الشعبي بالكوفة، و عن قتادة بالجزيرة. و قال علي بن أبي طالب: المراد بالتنور: فلق الصبح، و تنوير الفجر، أي إشراقه و ضياؤه. أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين. و هذا قول غريب.

و قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) ، هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، و في كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج، و مما لا يؤكل زوجين ذكرا و أنثى، و هذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق: اثْنَيْنِ، إن جعلنا ذلك مفعولا به، و أما إن جعلناه توكيدا لزوجين و المفعول به محذوف فلا ينافي، و اللّه أعلم.

و ذكر بعضهم و يروى عن ابن عباس: أن أول ما دخل من الطيور الدرة، و آخر ما دخل من الحيوانات الحمار، و دخل إبليس متعلقا بذنب الحمار. و قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن أبيه، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: (لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: و كيف نطمئن، أو كيف تطمئن المواشى و معنا الأسد، فسلط اللّه عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا و متاعنا، فأوحى اللّه إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها) ، هذا مرسل. و قوله: وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر، فكان منهم ابنه يام الذى غرق، كما سيأتي بيانه، وَ مَنْ آمَنَ أي و احمل فيها من آمن بك من أمتك، قال اللّه تعالى: وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، هذا مع طول المدة و المقام بين أظهرهم، و دعوتهم الأكيدة ليلا و نهارا بضروب المقال و فنون التلطفات و التهديد و الوعيد تارة و الترغيب و الوعد أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت