يمدحون بسببه، رضى اللّه عنهم، فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية و لا فكر و لا نظر، بل يجب اتباعه و الانقياد له متى ظهر، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مادحا للصديق: (ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم) ، و لهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر و لا روية، لأن أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة، رضى اللّه عنهم، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما أراد أن يكتب الكتاب الذى أراد أن ينص فيه على خلافته، فتركه و قال: (يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر(رضى اللّه عنه) .
و قول كفرة قوم نوح له و لمن آمن به: وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ، أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالإيمان و لا مزية علينا فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27) ، (هود: 27) ، قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) ، و هذا تلطف في الخطاب معهم، و ترفق بهم في الدعوة إلى الحق، كما قال تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44) .
و قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، و هذا منه يقول لهم: أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ أي النبوة و الرسالة، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، أي فلم تفهموها و لم تهتدوا إليها، أَ نُلْزِمُكُمُوها أي أ نغصبكم بها و نجبركم عليها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ، أي ليس لى فيكم حيلة و الحالة هذه وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم و أخراكم إن أطلب ذلك إلا من اللّه الذى ثوابه خير لي و ابقى مما تعطونني أنتم، و قوله: وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) ، كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه، و وعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك، فأبى عليهم ذلك، و قال: إِنَّهُمْ