ولعل ما يشفع لهذه الدراسة فيما قد يرد فيها من تصورات غير مرضية لبعض القرّاء هو أنها تطرح قضية واسعة جدًا من المستحيل الإحاطة بها، ليس في دراسة واحدة وإنما في عدد ضخم من الدراسات يشرف عليها مجموعات من الباحثين. فهي لذلك قاصرة عن بلوغ كل ما يمكن أن يقال في هذه القضية. ومن المسلّم به أنه ليس من السهل على أهل العصر أن يعرفوا حقيقة عصرهم، إذ إنّ من يعمل على إخفاء هذه الحقيقة وتمويهها أو تزوير الباطل ليبدو حقيقة والإمعان في الكذب حتى يصدقه الناس، كثيرٌ في كل زمان، وإنما تُعرف حقيقة العصر أو يُكشف عنها بعد زوال أصحاب العصر ومجيء من لا مصلحة له في التزوير والكذب أو من مصلحته في الكشف عن ذلك.
ولعل مهمة الباحث في عصر من العصور ليس البحث عن حقيقة عصره بقدر ما هي إضاءة الأحداث التي يشملها مجال الدراسة. إذ من الواضح أن الغد سيقدم أدلة ويكشف عن حقائق لا يوفرها اليوم، والدراسة إنما تقوم اليوم على معطيات اليوم، وفي إطار يسيطر عليه من أشير إليه ممن له مصلحة في التدليس والتزوير، ولعلهم يزولون في الغد فيمكن للباحث أن يقدم ما لا يستطيع اليوم تقديمه.
إن هذه القاعدة في دراسة التاريخ قاعدة إنسانية عامة، يمكن اعتمادها على اختلاف الزمان والمكان. إلا أن صحة هذه القاعدة لا يجوز أن تعيق الباحث عن محاولة البحث عن حقيقة عصره، وإن لم يتمكن من وصفها كاملة بسبب من تلك القاعدة فإن عليه أن يشير إليها، ويلمح، ويكتب عنها في الماضي وهو يريد الحاضر، كما أن عليه في الوقت ذاته أن يتناول تلك الحقيقة تناولًا رقيقًا حتى لا يبدو له في الغد أنه قد أخطأ التقدير فأساء لمن لا يستحق.