وكل فرد في المجتمع هو عضو فعال في خلق السلطة، فنحن نصنع السلطة، ثم ننتمي، في إطار النظام الإنساني، إلى واحد من أشكالها، ونقوم بأدوارنا الاجتماعية انطلاقًا من هذا الانتماء، ونتكيّف في سلوكنا معه. إن هذا يعني أننا ننطلق في وجودنا السلطوي الاجتماعي من الحرية إلى الالتزام، ومن الاختيار إلى الإكراه، فالسلطة لا تتولد من تعارض بين المُسيطِر ومن يقع تحت السيطرة، وإنما من علاقة تنشأ بين الجانبين معًا.
فما من جماعة بلا سلطة، ولكل جماعة بشرية سلطة تتخذ شكلها الخاص بها من شكل النظام الإنساني فيها، وكل من الطرفين المُسيطِر والمُسيطَر عليه يتدخل في صياغة نوع السلطة السائدة بينهما، وتحديد شكلها.
هذا هو المفهوم العام للسلطة، وهو يوحي بوجود أشكال عديدة للسلطة في داخله [1] . ويمكننا أن نعيد كل هذه الأشكال إلى نوعين: السلطة الثقافية"AUTORITE"، والسلطة السياسية"POUVOIR". ولكي نفهم هذين المصطلحين يجب دائمًا أن نتصور وجود طرفين تربط بينهما علاقة يمكن تحديدها على مستويين: هما السلطتان الثقافية والسياسية أو على مستوى واحد فقط. ويمكن أن يكون هذان الطرفان شخصين أو فئتين من الناس أو حزبين، أو الحكومة والشعب في دولة ما، أو أن يكونا دولتين مختلفتين.
2-1- السلطة الثقافية
(1) انظر أنواع هذه السلطة في كتاب (السلطة السياسية) - جان وليام لابيار، تر/ الياس حنا الياس.