ليس المقصود بالسلطة هنا ما تعارف عليه الناس فيما بينهم: أي مجموعة المؤسسات والأجهزة التي تمكن أصحابها من إخضاع المواطنين في دولة معينة، فالدولة هي المؤسسة التي تملك في إطار مجتمع ما احتكار العنف المشروع [1] . فنحن لا نرى في السلطة موضوعًا سياسيًا صرفًا يتجسد في كيان ما، وإنما نقصد بها وضعية معقدة للعلاقات في مجتمع ما، وهي علاقات تُمارس انطلاقًا من نقاط لا حصر لها، وفي إطار تناسبات متحركة غير متكافئة. فهي نتاج مباشر للتقسيمات، واللاتكافؤات، والاختلافات التي تقوم في داخل تلك العلاقات. وعلى ذلك فإن السلطة تتجسد في كل الآليات التي تتحكم في العلاقات الاجتماعية بشكل عام، وتصبح بذلك مجموع علاقات القوى والآليات المتعددة في مجتمع ما، في زمان ومكان معينين، والتي ينتج عنها المفهوم الشائع للسلطة. فالسلطة من خلال ذلك موجودة في كل زمان ومكان، حيث توجد العلاقات الاجتماعية، ولا يمكن إزالتها أبدًا، وإنما يجب التعامل معها. وأي سلطة هي علاقة يجب تحليلها وفهمها من خلال طرفيها: الطرف الأول الذي تصدر عنه الرسالة أو الأمر، والطرف الثاني الذي يتلقى تلك الرسالة أو يخضع لذلك الأمر [2] . وطريقة ممارسة السلطة وتطبيقها في الواقع تتعلق أيضًا بهذين الطرفين، وبحسب العلاقة بينهما تكون العلاقة جدلية، وتتخذ السلطة أشكالها المختلفة فتصبح رضائية، أو إلزامية، أو قسرية تعتمد على القوة والعنف [3] .
(1) ريمون آرون في مقدمته لكتاب: LE SAVANT ET LE POLITIQUE WEBER, Max PLON. PARIS, 1986. P / 24
(3) المصدر السابق، ص / 27