وكما كان حظ إمامنا النووي من الدنيا قليلا ، فلم ينل منها ولم تنل منه ، وكانت كلها للعم والعبادة والتصنيف والزهادة ، كذلك كان بقاؤه في الدنيا قليلا ،فلم يعمر فيها طويلا ولم يبن الدور و سكن القصور ، وإنما عاش على الكفاف والعفاف وسط الكتب وفي مدارس العلم الشرعي يفيد ويستفيد إلى أن أدركته منيته ولم يتتحقق أمنيته ولم يشبع نهمته من العلم النافع والعمل الصالح ،وكان أماله في التصنيف والإفادة أطول من سنى عمره ، فلم يستكمل كثيرا من الكتب التي شرع فيها وخاصة المجموع شرح المهذب ، ومن أكمله لم يبلغ علمه وإتقانه وإحسانه ، فرحم الله الجميع ، ولا غرو في ذلك ، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فنسأل الله ـ تعالى ـ أن يرفع درجة إمامنا النووي فوق كثير من خلقه ،وأن ينفعه بما ترك من علم نافع وسلامة سريرة ، وحسن سيرة.
قال ابن العطار: فبلغني مرضه ، فتوجهت من دمشق لعبادته ، فسر بذلك ، ثم أمرني بالرجوع إلى أهلي ، فودعته بعد ما أن أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب فلما كانت ليلة الثلاثة في الرابع والعشرين منه سنة ست وسبعين وتسمائة للهجرة انتقل إلى جوار ربه ـ رحمه الله تعالى ـ
قال ابن العطار: وكان قبل قوله أذن لي في السفر بأيام يسيرة ، أرمل إليه فقير إبريقا فقبله وقال: قد أرسل إلى فقير آخلا زنبيلا ، قال: وهذا إبريق وذلك ألة السفر.
وقال التاج الدين السبكي في الطبقات الوسطى ونقله السخاوي:
إنه قبل ظهوره إلى نوى رد الكتب المستعارة من الأوقاف جميعها.
وحكى اللخمي عن غير واحد من العلماء بدمشق أنه لما خرج منها إلى نوى خرج معه جماعة العلماء وغيرهم لظاهر دمشق ، وسألوه متى الاجتماع ؟ فقال: بعد مائتي سنة فعلموا أنه عني القيامة.
وقال القطب اليونيني: ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق توجه قاضي القضاة عز تالدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره.