"ودونها في رتبة، أي: رتبة الاحتجاج الذي هو أصل بقية المبوبين، ما جعلا على المسانيد التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حده، من غير تقييد بالمحتج به".
والخلاصة في ذلك: أنَّ أهل المسانيد عمومًا، لا يشترطون الرواية عن من يُحتج به فقط، بل يرون حديث من لا يُحتج به أيضًا.
والآن أعود لمسند الإمام أحمد فأقول: هل هذا هو شرط الإمام أحمد في مسنده؟ وللإجابة على هذا السؤال أقول: إنّ هذا ليس على إطلاقه، بل ثبت لدينا أنَّ الإمام أحمد قام بتنقيح المسند من كثير من الرجال الذين يرى عدم الاحتجاج بحديثهم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
روى أبو موسى المدينيّ بسنده إلى عبدالله بن أحمد بن حنبل أنه قال: (( سألت أبي عن عبدالعزيز بن أبان فقال: لم أخُرج عنه في المسند شيئًا، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث لما حدَّث بحديث المواقيت تركته ) ).
وقال ابن المديني: (( أخبرنا ابن الحصين بإسناده: حدَّثنا عبدالله، حدَّثني عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن محمد بن سالم، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله r:"فيما سقت السماء العشر، وما يُسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر". قال أبو عبدالرحمن - يعني: عبدالله بن أحمد - فحدَّثتُ أبي بحديث عثمان عن جرير فأنكره جدًا، وكان أبي لا يُحدِّثنا عن محمد بن سالم لضعفه عنده، وإنكاره حديثه ) ).
كما ضرب الإمام أحمد رحمه الله تعالى على حديث عمرو بن خالد وغيره .
نتيجة لهذه الأمثلة وما يشبهها ظن أبو موسى المدينيّ أنَّ الإمام أحمد لم يورد في مسنده إلا ما صح عنده، لذلك قال رحمه الله: (( ولم يُخرِّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته ) ).
وقال أيضا: (( ومن الدليل على أنَّ ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا ولم يُورد فيه إلا ما صح عنده ) )ثم ساق بعض الأدلة التي ذكرت آنفًا.