الصفحة 18 من 61

وبعد أن ثبَّت الله الإمام أحمد على الحق، نُسب إليه مذهب أهل السنَّة، لأنَّه صبر على الذب عنها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وأحمد ابن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنَّة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنَّه انفرد بقول، أو ابتدع قولًا، بل لأنَّ السنَّة التي كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة. فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المئة الثالثة - على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق - ودعوا النَّاس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخروا الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمور، فلم يوافقهم أهل السنَّة حتى تهددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم، وعاقبوهم وأخذوهم بالرهبة والرغبة. وثبت الإمام أحمد على ذلك الأمر حتى حبسوه مرة، ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته، فانقطعوا معه في المناظرة يومًا بعد يوم...(وذكر خبر المحنة) .

إلى أن قال ابن تيمية: (( ... ثم صارت هذه الأمور سببًا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة. وصنَّف النَّاس في ذلك مصنفات. وأحمد وغيره من علماء السنة والحديث، ما زالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة. ولكن بسبب المحنة كثر الكلام، ورفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة السنة وعلمًا من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، وإطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفيّ أسرارها، لا لأنَّه أحدث مقالة أو ابتدع رأيًا. ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعيّ، والظهور لأحمد. يعني أنَّ مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت