الصفحة 4 من 14

قلت: ورواياته كما سيأتي قليلة مع أن الذهبي يقول بأنه أكثر من الرواية! ولكن النسائي وهو المتقدم وصفه - كما سيأتي بقلة الرواية - ولعل مراد النسائي من قلة الرواية مقارنة بأقرانه كالثوري وشعبة والأوزاعي ومالك. ويتوجه كلام الذهبي من أن أبا حنيفة أكثر من الرواية من جهة أنه حصل حديثًا كثيرًا إلا أنه لم يحدث إلا بما يحفظ كما قال يحيى بن معين، ثم اتجه بكليته للفقه حتى برز وأصبح المقدم فيه وتروى بعض الحكايات في سبب انقطاعه للفقه، فعن زفر بن الهذيل، قال سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا فقالت لي: رجل له امرأة أمة، أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول. فأمرتها أن تسأل حمادًا، ثم ترجع تخبرني. فسألته، فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم اتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت، فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظها، ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة، فصحبته عشر سنين، ثم نازعتني نفسي الطلب للرئاسة، فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي. فخرجت يومًا بالعشي، وعزمي أن أفعل، فلما رأيته لم تطب نفسي أن أعتزله، فجاءه تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالًا، وليس له وارث غيره. فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أُجيب وأكتب جوابي، فغاب شهرين ثم قدم، فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوًا من ستين مسألة، فوافقني في أربعين، وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت