فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ، ونفرغ مما بيننا وبينه ؛ فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا ، فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رهنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ؛ فقالت بنو قريظة: حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم . وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رهنًا ؛ فأبوا عليهم ، وخذَّل الله بينهم ، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنتيهم .اهـ انظر سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن إسحاق تهذيب ابن هشام تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الاتحاد العربي للطباعة ، 1971م: 3 / 712 .