ثم حدث أن"جمال عبد الناصر"طلب مني أن أسافر إلى الولايات المتحدة، بعيدًا عن الوفد العسكري، وظنه أنني أستطيع المساعدة على إنجاح مهمة الوفد بصداقات يعرف أنها قائمة بيني وبين عدد من الصحفيين الأمريكيين البارزين وقتها، وكان معظمهم ممن عرفت وزاملت في مهام عديدة عندما كنا جميعًا مراسلين لصحفنا في حروب"البلقان""الحرب الأهلية في اليونان وما حولها"ـ وفي معارك فلسطين"قبل قيام الدولة اليهودية وبعده"ـ وفي أحداث الثورة الإيرانية"معركة"مصدَّق"وتأميم البترول الإيراني"ـ وفي أزمة الشرق الأوسط"الانقلابات والاغتيالات في سوريا وغيرها"ـ وفي صراعات الشرق الأقصى"كوريا ـ والهند الصينية ـ وفيتنام الأولى ضد فرنسا"ـ وفي غيرها من شواغل تلك الأيام.
وهكذا عبرت المحيط غربًا للمرة الثانية إلى أمريكا، وفي هذه المرة لم أكن زائرًا أو متفرجًا، وإنما كنت في مهمة عمل تداخلت فيها السياسة مع الصحافة فقد وجدتها ـ أيضًا ـ فرصة مناسبة لتغطية معركة الرئاسة في مرحلتها النهائية الحاسمة بين الجنرال"دوايت أيزنهاور"عن الحزب الجمهوري ـ وبين منافسه"أدلاي ستيفنسون"عن الحزب الديمقراطي.
وفي ذلك الوقت، وفي إطار هذه المهمة التي تداخلت فيها السياسة مع الصحافة ـ اقتربت من بعض دوائر صنع القرار الرسمي في أمريكا، وضمنها قيادات الحزبين الكبيرين المتنافسين في انتخابات الرئاسة، وعدد من الرجال النافذين في الإدارة القديمة"ترومان"ونظرائهم القادمين مع الإدارة الجديدة"أيزنهاور"ـ السفراء الكبار في وزارة الخارجية ـ وكذلك مع الجنرالات الأهم في وزارة الدفاع"."
ولم يكن من المصادفات أنني وجدت موعدًا تحدد لي مع مدير برامج المساعدات الأمريكية العسكرية"وهو وقتها الجنرال"أولمستيد"ـ فالذين قاموا على ترتيب جزء من برنامج اتصالاتي السياسية كانوا بغير شك يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب المختلفة لقدومي إلى واشنطن."
وباختصار فقد كانت تلك الزيارة إطلالة أكثر تدقيقًا وأشد تأنيًا في النظر إلى القوة الأمريكية الخارجة إلى المسئولية العالمية الأوسع.
والحاصل أنني عدت ـ عبر المحيط ـ أقل تفاؤلًا مما ذهبت، وعلي شبه يقين بأن مهمة بعثة شراء السلاح في واشنطن"قائد الجناح"علي صبري". ـ مهمة صعبة ـ إن لم تكن مستحيلة ـ وكانت أسبابي وقد تحدثت بها مع"جمال عبد الناصر"مضيفًا إلى رأيي شواهد ما استخلصته، ومنها:"