والقرائن تشير إلى أن الحوار وقع في البصرة، عندما كان ابن عباس واليًا عليها. ويبدو أن ابن عباس لم يكن وحده الذي حصل عنده رد الفعل، فإن استعمال كلمة الجمع (إنَّا كنا) دليل واضح على أنه وجدت في ذلك الوقت جماعة ترى هذا الرأي. وإلى هذا يشير ما رواه الحاكم عن الحسن عما جرى بين عمران بن حصين رضي الله عنه وبين رجل طلب منه أن يحدِّثه بالقرآن فقط، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرءون القرآن، أكنت مُحَدِّثِيَّ عن الصلاة وما فيها وما حدودها ؟ أكنت مُحدثِيّ عن الزكاة في الذهب والإِبل والبقر وأصناف المال، ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت. ثُم قال فرض علينا رسول الله r في الزكاة كذا وكذا فقال الرجل: أحييتني، أحياك الله [9] . وقد أورده الخطيب في باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان [10] .
وإلى هذا يشير ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه (قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سوَّدوا، وأي حديث من حديث رسول الله r أفسدوا) [11] . وروى مسلم عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي، قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله أي علم أفسدوا [12] .
ولكن من المعلوم بالضرورة أن الإِحجام عن الرواية، لم يكن الحل الصحيح للمشكلة، فإن الأحاديث النبوية دين وشرح للقرآن الكريم. ولذا كان لابد من الحلول الجذرية، ومن التقيد بأصول وقواعد تضع الحد من هذه الظاهرة الخطيرة وتنقِّح الصحيح من المكذوب. فظهر السؤال عن الإِسناد.
4 -أهمية الإِسناد:
روى مسلم بسنده عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإِسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم [13] .
وقد روى نحوه ابن أبي حاتم [14] .