أما وقد انتهينا إلى أن نظرية الإسناد نشأت مع النصوص الشرعية ذاتها، وأن صورته لم تنشأ متأخرة أو تتطور بالاختلاف كما زعم الزاعمون، فنحتاج إلى أن نؤرخ لنهاية الإسناد كآلية مستخدمة في نقل وحفظ الروايات .
ويجب أن نؤكد على قضية بالغة الأهمية قبل التعرض للمسألة المذكورة، ألا وهي أن الإسناد كما علمنا من خصائص هذه الأمة المباركة (1) كما ذكر غير واحد من أهل العلم ، لذا فإن ديمومة وجود الإسناد أمر يجب ألا يكون محل تشكيك أو تهوين، فأسانيد المصنفات وكتب العلم الشرعي التي ضمنت فيه النصوص الشرعية مازالت متداولة حتى عصرنا الحالي ، وأهميتها تكمن في البعد التوثيقي للمصنفات، وبذلك تتميز هذه الأمة عن كل الأمم بأن كتبها تتوثق على مر العصور نسبتها فيؤمن الانتحال فيها ويستيقن من نسبتها لأصحابها (2)
لكننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف أنه بعد انتهاء عصر الرواية لم يعد إسناد المتأخرين هذا هو مجال النقد ،فالنقد العلمي ينصب أساسا على الإسناد الوارد في المصنف الذي صحت نسبته لمؤلفه إلى صاحب الخبر أو النص ،ولهذا نحتاج إلى تأريخ زمان انتهاء عصر الرواية، وانصرام تطبيق نظرية الإسناد عمليا .
من المتفق عليه بين النقاد أن أسانيد المتأخرين في هذه العصور إلى المصنفات المشهورة مثل صحيح البخاري وسنن أبي داوود ومسند أحمد وصحيح ابن حبان لم تعد محل دراسة أو مجال نقد، لأن البحث فيها لا طائل إذ اشتهار تلك المصنفات وذيوعها وتعدد نسخها في العالم ضمين بعدم حصول انتحال لأي جزء منها أو زيادة أو نقص فيها.
(1) - ذكر ذلك لبن الصلاح في المقدمة ص12، ونص على خصيصيتها الزرقاني في شرح المواهب اللدنية (5/398-444774)
(2) - يراجع الباب الرابع من فهارس علماء المغرب ص 421-494. د عبد الله المرابط الترغي . وتشتهر عند المحدثين مقولة أن » الأسانيد أنساب الكتب » وانظر: التأصيل . بكر أبو زيد .ص 75.