عرضنا في الباب الأول قضية المعارضين الذين يزعمون أنه لا داعي لأن يبقى الدين في عصرنا الحاضر. والحقيقة أن هذه القضية لا تقوم على أساس ، ولسوف نتناول في الأبواب الآتية أفكار الدين الأساسية واحدة واحدة لننظر في مدى حقيقتها كما كانت قبل العصر الحديث.
وإليكم نقدا عاما لقضية المعارضين:
أولا: حقيقة الطبيعة:
لنتكلم أولا في الدليل الذي يعرض باسم البيولوجيا وهو أن الحوادث تحدث طبقا (لقانون الطبيعة) فلا حاجة لأن نفترض لهذه
الحوادث إلاها مجهولا. إن أحسن ما قيل في هذا الصدد ما قاله عالم مسيحي:
(إن الطبيعة حقيقة(من حقائق الكون) وليست تفسيرا (له ) ) . لأن ما كشفتم ليس بيانا لأسباب وجود الدين ، فالدين يبين لنا الأسباب والدوافع الحقيقية التي تدور (وراء الكون) وما كشفتموه هو الهيكل الظاهر للكون. إن العلم الحديث تفصيل لما يحدث وليس بتفسير لهذا الأمر الواقع فكل مضمون العلم هو إجابة عن السؤال: (ما هذا؟) وليس لديه إجابة عن السؤال: (ولكن لماذا؟) . وإن التفسير الذي نحن بصدده هنا يتعلق بالأمر الثاني.
لنفهم هذا من مثال بسيط ، فالكتكوت يعيش أيامه الأولى داخل قشرة البيضة القوية ويخرج منها بعدما تنكسر مضغة لحم ، كان الإنسان القديم يؤمن بأن الله أخرجه. ولكننا اليوم بالمنظار أنه في اليوم إلحادي والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت يستعمله في تكسير البيضة لينطلق خارجا منها ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة.