هذه الآية الجلية من سورة لقمان لم تنته بألا تتفكرون أو ألا تتدبرون, أو ألا تعقلون, ولكن أليس من إعجاز القرآن حث العقل البشري وتحفيز فكره للتطلع والتدبر وتحسس الأمور? لامراء أن هذه الآية هي آية القدرة, وآية الحكمة, وبرهان تلك القضايا السابقة في سياق السورة. آية ذلك كله وبرهانه هو هذا الكون الكبير الهائل, الذي لا يدعي أحد من البشر أنه خلقه, ولا أن أحدا آخر خلقه من دون الله; وهو ضخم هائل دقيق النظام, متناسق التكوين, يأخذ بالقلب, ويبهر اللب, ويواجه الفطرة مواجهة جاهزة لا تملك الإفلات منها أو الإعراض عنها; ولا تملك إلا التسليم بوحدانية الخالق العظيم, وضلال من يشرك به آلهة أخرى ظلما للحق الواضح المبين. فكيف ترتفع السموات من دون سند أو أعمدة تساعدها على الثبات, وهي تحتوي على مجرات ونجوم وكواكب وشموس أضعاف حجم الأرض? وهذه الجبال ما دورها في حفظ توازن الأرض بحيث لا تتأرجح ولا تهتز? أما الأمطار فهي تنزل من المزن لاستمرار حياة المخلوقات وفق نظام سماوي دقيق (سيد قطب, 1967) .
ذكر في الأدبيات بأن مخارج العلوم أربعة:
علم رافع: وهو العلم الشريف من التفسير والحديث والفقه.
علم ساطع: وهو علم الأدب والأخبار الرفيعة.
علم نافع: وهو علم الطب والهندسة والحساب.
علم واضع: وهو علم الكهنة من السحر وما أشبه.
ودعونا نتساءل, عندما يجتمع متخصصون وباحثون وعلماء من كل مجموعة للمناقشة وتقديم الأدلة والبراهين وإيجاد الحلول واختراع المخترعات العديدة, كيف يتم ذلك?
ألا يتم ذلك بالنقاش والتنافس ودمغ الحجة وسطع البراهين? وهل يمكن أن يتم ذلك من دون استخدام العقل والفكر? فالتفكير والتدبر لقوم يعقلون ولقوم يعلمون ولقوم يتفكرون هو الشرط الأساسي للرقي والتقدم والفكر. وهو ما حباه الله جلت قدرته للإنسان, وهو ما تميز به دين الإسلام عن سائر الأديان والعقائد.