لذلك نقول: إن الفقه المقاصدي أو الاجتهاد المقاصدي، مبطن بأبعاد على غاية من الأهمية في تشكيل العقل المسلم بشكل عام، وإعادة بنائه، وتفعيل حراكه الاجتماعي، وتأصيل التفكير الاستراتيجي الذي يهتم بالتخطيط والفكر قبل الفعل، ويفحص المقدمات بدقة، ويدرس النتائج والتداعيات المترتبة عليها، ويمتلك القدرة والمرونة على المتابعة في الرحلة الفكرية والمراجعة للنواتج والاكتشاف لمواطن الخلل، ويحدد أسباب القصور عن إدراك النتائج ومواطن التقصير .
إن العقل المقاصدي، حقق التحول من عقلية التلقين والتلقي إلى عقلية التفكير والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتحليل والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي، وعدم القبول لأي فكر أو اجتهاد بغير سلطان أو بغير برهان تحت شعار ( هاتوا برهانكم ) ، ويمتلك أدوات البحث والمعرفة، وإمكانية النظر في المآلات والعواقب، ويصبح عقلا مستبينا يحسن التعامل مع الأسباب والمقدمات والتسخير للسنن، ويمتلك ناصية سنة المدافعة فيستطيع مدافعة قدر بقدر أحب إلى الله، كما يقول ابن القيم رحمه الله: ( ليس المسلم الذي يستسلم للقدر، ولكن المسلم هو الذي يدفع القدر بقدر أحب إلى الله ) .
وأستطيع أن أقول: إن بناء العقل المقاصدي يحدث تغييرا استراتيجيا في الثقافة، ونقلة فكرية نوعية في الحياة العقلية والذهنية، ويعيد للوحي عطاءه المتجدد على يد البشر، وإعادة النظر فيما وضعوا من آليات مجردة للتعامل معه وتنزيله على الواقع، بعيدا عن مصالح الناس .