والضلال قد يعني، فيما يعني: القلق الحضاري، وعدم الاستقرار والرسو على يقين واطمئنان، واستمرار التيه، وعدم الوصول إلى الهدف المنشود .. هو في حقيقته توجه لاكتشاف الهدف، لاكتشاف الحق، ينتهي بصاحبه إلى الضياع وعدم الوصول، وهذا لا يعني بحال من الأحوال الركود والسكونية والاستنقاع، إنما يعني الضياع..الضائع هو المتحرك الباحث عن الهدف، الذي لم يهتد إليه بعد، لأن عقله لم يمتلك الأدوات المعرفية الموصلة، فيأتي الوحي، ليحدد الهدف، ويوفر الجهد، ويوجه الضال إلى الحق والله سبحانه وتعالى عندما وصف رسوله قبل البعثة بقوله: ( ووجدك ضالا فهد ى ) ( الضحى: 7 ) ، فإن الضلال هنا لا يعني القبول بالواقع الوثني، ولا يعني القعود عن التطلع إلى الهدف والمثل الأعلى، وإنما يعني رحلة البحث والكشف والقلق المستمر وعدم الوصول، ويعني أيضا أن الضلال ملازم للعقل في بعض المجالات التي يفتقر فيها معرفيا للوحي، ولا يخلص من ضلاله بدونه.. فالوحي يحدد الأهداف، والعقل يتحرك ويبتكر الوسائل لتحقيقها .
فالاجتهاد المقاصدي أو الثقافة المقاصدية، إن صح التعبير، هو القدرة على تحديد الأهداف والمقاصد المرحلية والاستراتيجية.. وهو القدرة على الربط بين الاستطاعة والحكم الشرعي المناسب للحركة في هذه المرحلة، والهدف الممكن تحقيقه في ضوء هذه الاستطاعة، حتى ولو كان الهدف جزئيا شريطة أن يكون هذا الهدف الجزئي بعضا من كل، أي جزءا من الهدف الكلي، والرؤية الشاملة لمجال الحركة، بعيدا عن الرسم بالفراغ، والأماني والحماسات التي لم تورث إلا الإحباط، وبذلك يتحقق الفقه المطلوب لتنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، ويحمى العمل الإسلامي من كثير من المجازفات والعشوائية، الت ي مايزال يقع فيها، ويخلص من الحفر وسوء التقدير وهدر التضحيات تحت الرايات العمية، التي لا تبصر أهدافها، ويمنح القدرة على التقويم والإفادة من التجربة .