الصفحة 14 من 25

وهذا آخر جواب السائل في بيان المتون التي ننصح طالب العلم بحفظها وإتقانها والاعتناء بها، ولا يحسن في حق طالب العلم الاشتغال عن حفظ وضبط المتون بالمطولات، وقد قيل: (من لم يتقن الأصول حرم الوصول) .

ونوصي طالب العلم بالجد والاجتهاد في طلب العلم والصبر والمثابرة عليه وتعهد المحفوظات بالمراجعة فمن تعهدها أمسكها، وفي إمساكها العلم الكثير، وفي إهمال وترك مراجعتها إهمال لأصل عظيم من أسباب حفظ العلم، وقد قال الإمام ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في التمهيد [1] على قوله، صلى الله عليه وسلم:"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت قال: (وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب عنه أي من كان، لأن علمهم كان ذلك. الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة، وخير العلوم ما ضبط أصله واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه) ."

ونوصي طالب العلم بالجد في تفهم المعاني والحرص على الحفظ وعدم الملل والسآمة من ذلك، فإن الحفظ رأس المال، وقد قال بعضهم (حرف في فؤادي ولا ألف في كتابي) ، وقال آخر: (ليس العلم ما حواه القمطر إنما العلم ما حواه الصدر) [2]

وقال آخر شعرًا:

العلم ويحك ما في الصدر تجمعه حفظًا وفهمًا وإتقانًا فداك أبي

وقد أحسن بعضهم حيث يقول:

اصبر ولا تضجر من مطلب فآفة الطالب أن يضجرا

أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا

وعلى طالب العلم ملازمة العلماء العاملين، والاستفادة من علومهم، والصبر على ما يبدر منهم إن بدر. وقد أحسن الإمام الشافعي حيث يقول:

اصبر على مر الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعًا لوفاته

وذات الفتى والله بالعلم والتقى ... إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته

وعلى طالب العلم أن يحرص كل الحرص على العمل بالعلم، فعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر. وقد وصف الله اليهود بالمغضوب عليهم، لأن معهم علمًا لم يعملوا به فليحذر المسلم أن يتشبه بهم:

وقد قال سفيان بن عيينة - رحمه الله: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) .

وليحذر طالب العلم الداء الدفين الذي وقع فيه كثير من أبناء هذا الزمن من طلب العلم للدنيا وحطامها، فقد جاء الخبر عن سيد البشر:"من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله - عز وجل - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) رواه أبو داود [3] وابن ماجة [4] من حديث أبي هريرة، وفي سنده فليح بن سليمان مختلف فيه ورجح الدار قطني إرساله [5] . وله شاهد عند الترمذي [6] من حديث ابن عمر بلفظ:"من تعلم علمًا لغير الله أو أراد به غير الله فليبتوأ مقعده من النار"وفيه"

(1) الجامع في الحديث الحث على حفظ العلم ص 60.

(2) جامع بيان العلم وفضله 1/ 91.

(3) (ج3/ 321) رقم (3664) .

(4) رقم (252) .

(5) رقم العلل (11/ 9) .

(6) (ج5/ 32) رقم (2655) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت