فإحياء هذه السنة وإظهارها فيه أجر كبير، ومضاعفة للأعمال، وقد ورد في بعض الآثار: إن في السماء ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله -عز وجل- فإذا دخل رمضان استأذنوا ربهم أن يحضروا مع أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- صلاة التراويح، فمن مسَّهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا [1] . فكيف يفوت المسلم هذا الأجر الكبير، وينصرف عنه لتعاطي حرفة أو تجارة، أو تنمية ثروة من متاع الحياة الدنيا التي لا تساوي كلها عند الله جناح بعوضة، فهؤلاء الذين يزهدون في فعل هذه الصلاة، ويشتغلون بأموالهم وصناعاتهم، لم يشعروا بالتفاوت الكبير بين ما يحصل لهم من كسب أو ربح دنيوي قليل، وما يفوتهم من الحسنات والأجور، والثواب الأخروي، ومضاعفة الأعمال في هذا الشهر الكريم.
ولقد أكبَّ الكثير على الأعمال الدنيوية في ليالي رمضان، ورأوا ذلك موسمًا لتنمية التجارة، وإقبال العامة على العمل الدنيوي، فصار تنافسهم في ذلك، وتكاثرهم بالمال والكسب، وتناسَوْا قول بعض السلف: إذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة [2] .
أما الذين يسمرون هذه الليالي على اللهو واللعب فهم أخسر صفقة، وأضل سعيًا، وذلك أن الناس اعتادوا السهر طَوَالَ ليالي رمضان غالبا، واعتاضوا عن نوم الليل بنوم الصبيحة وأول النهار أو أغلبه، فرأوا شغل هذا الليل بما يقطع الوقت، فأقبلوا على سماع الملاهي والأغاني، وأكبُّوا على النظر في الصور الفاتنة، والأفلام الخليعة الماجنة، ونتج عن ذلك ميلهم إلى
(1) أخرجه الفقيه أبو الليث السمرقندي في تنبيه الغافلين 1/ 359 قال: وحدثني أبي بإسناده عن علي بن أبي طالب، أنه قال:
إنما أخذ عمر بن الخطاب هذه التراويح من حديث سمعه مني، قالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، يقول: إن لله -تعالى- حول العرش موضعا يسمى حضيرة القدس، وهو من النور فيها ملائكة لا يُحصي عددهم إلا الله -تعالى- يعبدون الله -عز وجل- عبادة لا يفترون ساعة، فإذا كان ليالي شهر رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض فيصلون مع بني آدم، فينزلون كل ليلة الأرض فكل من مسهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. فقال عمر عند ذلك: نحن أحق بهذا! فجمع الناس لتراويح ونصبها، والإسناد منقطع، وساقط!!!؟
وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان موقوفا على علي بن أبي طالب بلفظ مقارب 3/ 337، وفي كتاب فضائل الأوقات 253، 254 للبيهقي -أيضا- موقوفا، والإسناد مليء بالمتروكين، ولا يصح مرفوعا ولا موقوفا. فهذا الأثر إسناده متروك وساقط.
وقد ذكره الطبري في الرياض النضرة، وعزاه لكتاب الموافقة لابن السمان، 2/ 263، 264. وذكره السيوطي في الدر المنثور 8/ 582 وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 8/ 410 ورمز بضعفه؟! وتضعيفه لا يكفي، بل هو متروك.
(2) لم أعثر عليه مرفوعا ووجدته بلفظ: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة. أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا رقم 465 موقوفا.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن الحسن قال: إذا رأيت الرجل .. وهذا من مراسيل الحسن -يرحمه الله- وإسناده صحيح.