إضافة إلى أن دفع هؤلاء الأئمة الشباب إلى الساحة، والتسجيل لهم وإطلاق عبارة قراءة فضيلة الشيخ ... عليهم قد يؤدي ذلك إلى دخول العجب والرياء إلى نفوسهم، وهم في بداية الطريق، فما هو توجيهكم أثابكم الله؟
ج 24: هذه المفاسد يجب تلافيها، فيجب (أولا) على أهل التسجيلات تصفية القراءة من غيرها، وعدم تسجيل السكتات والتكبيرات، وكل ما ليس من القرآن، حتى لا يختلط القرآن بغيره، فكما لا يجوز كتابة غيره معه في المصاحف، مع عدم التمييز، فكذا لا يجوز في التسجيل مخافة الاشتباه، وكذا لا يجوز إقرار الأخطاء من نقص أو زيادة أو تغيير أو لحن، ولو لم يغير المعنى، فإن تسجيل ذلك ونشره تغيير وتحريف لكلام الله، وإظهار لهذه الأغلاط عند من لا يتفطّن لها، كما أن فيها عيبا ونقصا لذلك القارئ، حيث ينتشر غلطه، وكثرة خطئه.
وأما احتفاظ أهل التسجيلات بحق التسجيل، ومنعهم أن يسجل عند غيرهم فقد يكون لهم الحق في ذلك، حيث تعبوا وتكلفوا في التسجيل، وصرفوا عليه مالا كثيرا، كما يحصل ذلك في المطابع. لكن الأولى بهم التغاضي والتسامح بنشره، حرصا على نشر العلم والفوائد بين المسلمين. وأما ما ذكر السائل من مبالغتهم في وصف القارئ وإطرائهم له فلا ينبغي مثل هذه المبالغة خوف الإعجاب بالنفس، واحتقار الغير، ولا مانع من وصفه بالقارئ ونحوه إذا كان أهلا لذلك. والله أعلم.
القنوت وصفته وموضعه
س 25: ما حكم القنوت وما صفته وموضعه؟ وهل السنة في دعاء القنوت فعله كل ليلة أم يفعله في بعض الليالي؟ وهل يلزم التقيد بالمأثور من الدعاء؟ وهل يدعو بصيغة الجمع أم يتقيد بالصيغة المأثورة؟ وما قولكم في مسألة التغني في الدعاء كهيئة أدائه لقراءة القرآن؟
ج 25: المنصوص والمختار عن الإمام أحمد وكثير من العلماء، أن القنوت مسنون في الركعة الأخيرة في الوتر، في جميع السنة، قال في المغني: قال أحمد في رواية المروذي كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني قلت: هو دعاء وخير، ووجهه ما روي عن أبيّ: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يوتر، فيقنت قبل الركوع» [1] .
(1) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة في سننه (رقم 1182) قال: حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا مخلد بن يزيد عن سفيان عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه عن أبي بن كعب به.
قلت: ورجال هذا الإسناد رجال الشيخين غير علي بن ميمون، وهو الرقي العطار ثقة.
وأخرجه النسائي في سننه في كتاب قيام الليل (رقم 1699) . بهذا الإسناد. وفي روايته: كان يوتر بثلاث يقرأ في الأول بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى .. الحديث وفي آخره: ويقنت قبل الركوع.
وفي السنن الكبرى (في كتاب الوتر 1/ 448) . وفي عمل اليوم والليلة (441) بأسانيد كثيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.
وللحديث متابعة عند الدارقطني في سننه في كتاب الوتر من طريق فطر بن خليفة المخزومي، عن زبيد عن سعيد، وكذلك: البيهقي في سننه في كتاب الصلاة (3/ 40) من طريق الدارقطني.
والمتابعة الأخرى عند البيهقي من طريق مسعر بن كِدَام بن ظهير الهلالي، عن زبيد عن سعيد.
وأورد أبو داود هذا الحديث تعليقا في كتاب الصلاة (2/ 135) فقال: روي عن حفص بن غياث عن مسعر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب، أن رسول الله قنت في الوتر قبل الركوع.
ورواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قنت -يعني في الوتر- قبل الركوع. اهـ.
قلت: وأسنده الدارقطني في سننه، في كتاب الوتر، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا المسيب بن وضاح، ثنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوتر بثلاث ركعات: يقرأ فيها بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الحديث، وفي نهايته: وكان يقنت قبل الركوع.
وأخرجه البيهقي في سننه 3/ 39 من طريق الدارقطني، وابن نصر في قيام الليل 313، وفي الباب عن ابن مسعود أن النبي-صلى الله عليه وسلم-: كان يقنت في الوتر قبل الركوع ... أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 97، عن يزيد، عن أبان، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله به.
والدارقطني في كتاب الوتر، من الطريق نفسه، والبيهقي في الكبرى 3/ 41 من طريق يزيد، عن أبان، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: بِتُّ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الركوع الحديث.
ومدار هذا الإسناد على أبان بن أبي عياش العبدي. قال أحمد، وابن معين، والنسائي، وأبو حاتم: متروك. وقال الجوزجاني: ساقط.
وفي الباب، عن ابن عباس قال: أوتر النبي -صلى الله عليه وسلم- بثلاث يقنت فيها قبل الركوع.
أخرجه البيهقي في الكبرى 3/ 41 وفي سنده عطاء بن مسلم، وهو ضعيف. وللحديث شواهد كثيرة تقويه، وهو صحيح.