وليتأمل هؤلاء بِكلامِ ورقة بن نوفل رضي الله عنه حين قالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتني فيها جذعًا - أي شَابًا جَلدًا - إذ يُخرجكَ قَومك، قال صلى الله عليه وسلم: أو مُخرجي هم؟! قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي.
نعم عودي .. إذ الحق نور يُجلي ظُلمَة الظالمين، ويُزلزل عُروش المُعتدين.
هو البَلاءُ حَقيقُ أنْ نَكُونَ له ... أهْلًا سبيلًا قَدْ عَبَرْنَاهُ
وقِصَّةُ القومِ قَبْلَ اليومِ نَسْرِدُهَا ... وقَومُ نوحٍ بِرَكْبِ البَحْرِ ما تَاهُ
وأَنْبِيَاءُ بِعُمْقِ اللَّوحِ قَدْ نُشِروا ... أيُوبُ يَرْفَعُ كَفًا حينَ ناجَاهُ
قَدْ أوْقَدُوا النَّارَ حُمْقًا مِنْ سفَاهَتِهِمْ ... تَكْوي الخَليلَ وجَمْرُ النَّارِ يَابَاهُ
مُوسىَ طَريدُ جُيُوشُ الكُفْرِ تَرْدُفُهُ ... وابْنُ البَتُولِ وكُلُّ النَّاسِ عَادَاهُ
وقِفْ بِمَكَّةَ واسْأَلْ عنْ مَآثِرِهِ ... ذَاكَ الرَّسولُ عمَّا كَانَ يَلقَاهُ
تَفَطَّرَ الرِّجْلُ مِنْ ضَرْبِ الحِجَارَة إِذْ ... تَقَطَّرَ الدَّمُ مِنْهَا كَيفَ خَدَّاهُ
فهذه سنة لا تتغير ولا تتبدل ما دامت السماوات والأرض، فمن حكمة الله سبحانه أن يبتلي العلماء بقول كلمة الحق وإن كان مر طعمها، ويبتليهم بالسجن والتعذيب، ويبتليهم بالمناصب والوظائف، ويبتليهم بحب الظهور والشهرة، ويبتليهم بطعن السفهاء وانتقاص الحقراء، وغيرها من انواع الابتلاءات التي لا يثبت أمامها إلا الراسخون في العلم أولئك هم العلماء بحق.
وفي تلك الإبتلاءات حِكَم بَالِغة، وَنِعَم سابِغَة لا يَعلمها إلا الله، منها أن العالم لا يَشعرُ بِنَعمِ الله عليه، إلا إذا جرب مرارةَ الابتلاء.
فَإنَّا لَنْ نَحوزَ العِزَّ حَتى ... نَذوقَ المُرَ تَسقيهِ الصِعابُ
وقال آخر ..
لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكله ... لَنْ تَبْلُغُ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَ
إن العلماء هم مقدمة الأمة في صراعها مع أهل الباطل، ذلك أنَّ العلماءَ يرون واقعًا لا يُرضِي الله وَرسوله فيسعون إلى تغيرهِ.