{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ، وكقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ، وكقوله: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .
القول الثاني: أن المعنى أكثرنا مترفيها، ففسقوا فيها، تقول العرب: أمر القوم أي كثروا، وقرأ بعضهم بالتشديد وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبو عثمان النهدي، وأبو رجاء العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن، أي سلطانا شرارها فعصوا فيها، وقرئ بالمد والتخفيف: أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها.
والقوال الأخير - وهو أرجح الأقوال عندي: أن المعنى أمرناهم بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله وإتباعهم فيما جاءوا به، ففسقوا أي خرجوا عن طاعة الله وطاعة رسله، وهذا كما تقول أمرته فعصاني، وليس المراد الأمر بالفسق، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والله أعلم بالصواب.
وأما المتروفون، ففي كل أمة طبقة السادة والكبراء الناعمين الذين يجدون المال والخدم والراحة والتنعم والترفه، وخص المترفيه بالذكر مع توجيه الأمر إلى الجميع؛ لأنهم القادة وأئمة الفسق والضلال، وما وقع من غيرهم فبسببهم، كما حكى الله عنهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ} ولأن توجه الأمر إلى أئمة الفسق ورؤساء الضلال آكد.
وقال سيد قطب: «والمترفون في كل أمة: هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال، ويجدون الخدم، ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن وترتع في الفسق والمجانة، وتستهر بالقيم و المقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات.
وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادًا، نشروا الفاحشة في الأمة، وأشاعوا وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش إلا بها، ومن ثم