و كذلك لدى مطالعتي لرسائل بولس الملحقة بالأناجيل وقفت على ثلاث أو أربع عبارات يبدو فيها لأول وهلة أنه يرفع المسيح لمصاف الإله، أو يصفه بأوصاف ملكوتية إلهية ....
فقلت في نفسي لا بد أن هذه العبارات هي البذرة و الأساس لفكرة تأليه المسيح في النصرانية، لكني تساءلت في نفسي مستغربا: كيف لا يتفكر إخواننا النصارى الذي يطالعون الأناجيل، فيسألون أنفسهم: هل من المعقول أن يسكت نبيهم و معلمهم الأول المسيح عليه السلام عن بيان ما هو أساس الدين و ركنه الركين و شرط النجاة فيه، الذي هو ـ حسب اعتقادهم ـ الإيمان بألوهية المسيح و بأنه الله المتجسد و بالتثليث، و تركَ بيان هذه الحقائق الخطيرة لمن بعده؟! و متى كان من الجائز بالعقل و المنطق أن يكتم النبي أو الرسول أساس الدين و الهدف الذي لأجله بعث و يترك بيان ذلك لمن جاؤوا بعده؟! أفلا يدل عدم دعوة المسيح عليه السلام نفسه لتلك العقائد أنها ليست من رسالته بل هي تفسيرات بعدية دخيلة؟ و على أي حال، فإن فكرة تأليف كتاب يجمع أقوال المسيح عليه السلام التي تنص على بشرية المسيح و عبوديته لله عز و جل ـ في الأناجيل الحالية ـ بدأت تراودني منذ ذلك الوقت و لكن صوارف الزمان حالت بيني و بين ذلك، و مضت الأعوام إلى أن وقفت منذ أربع سنوات أثناء دراستي بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد (في باكستان) على كتاب جليل لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي (رحمه الله) عنوانه:"الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل"يطرح نفس الفكرة التي كنت توصلت إليها من قبل، و لكن بلغة قديمة و أسلوب فلسفي معقَّد نوعا ما بالنسبة للقارئ المعاصر، فتجدَّدَت لديّ الرغبة في تأليف كتاب جامع في هذا الموضوع، ساعد على ذلك ما اطلعت عليه أكثر في هذا الباب من كتاب"إظهار الحق"للعلامة رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الكيرانوي العثماني (رحمه الله) و من كتاب"التوحيد و التثليث"للشيخ محمود جواد البلاغي (رحمه الله) و كذلك من أشرطة و كتيبات الداعية الجنوب أفريقي الشهير أحمد ديدات (حفظه الله) ، فبدأت أدون فعلا كلما تيسر لي من المواد في هذا الباب، و اجتمعت لدي نصوص كثيرة من الأناجيل و من رسائل العهد الجديد تنادي بأعلى صوتها بالتوحيد الخالص، و أن المسيح عبد الله و رسوله، و بشرٌ نبيٌّ، و تنفي عنه الألوهية بنفيها لمستلزماتها بكل وضوح