لا خيار إذًا .. إما الاستمرار في طريق الدعوة حتى تحقيق الأهداف المرجوّة، مع اتخاذ كل الأسباب (الأمنية) ، التي تحمي هذه الدعوة ورجالاتها ومجاهديها .. وإما العودة إلى حياة الكفر ودين الطواغيت الظالمين، ومنهج الأرباب المزيَّفين، وحياة الذلّ في الدنيا .. ثم إلى عذاب الله وسخطه وعقابه في الآخرة .. فما أعظم العبرة، وما أبلغ الدرس! ..
يوسف عليه الصلاة والسلام: دروسٌ أمنيةٌ بليغة! ..
إنّ قصة يوسف عليه السلام مثال واضح على حتمية الصراع بين الخير والشرّ، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال .. ولا يُحسَم هذا الصراع لصالح أبناء الحق والخير والهدى إلا بأمرين اثنين معًا:
1 -الإيمان الصادق القوي بالله عز وجل، وبالدعوة التي يسيرون في ركابها.
2 -اتخاذ كل الأسباب اللازمة الضرورية لمواجهة العدو والطغيان والشرّ.
إن السير في خطة حمايةٍ متكاملةٍ هو أحد الأسباب المهمة التي ينبغي الأخذ بها في كل مراحل الصراع، فمهما كان عدد المجاهدين في سبيل الله، ومهما كان عدد أفراد العدو، فإن (العمل الأمني) لا يمكن الاستغناء عنه أو تجاهله طالما أن الصراع موجود، وعلى أي وجهٍ من الوجوه كان! .. وهذا المفهوم الأمني يتجلى واضحًا في قصة سيدنا يوسف عليه السلام! ..
لقد رأى يوسف عليه السلام في المنام رؤياه المشهورة التي أدخلت القلق إلى نفس يعقوب -والده- عليه السلام:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف:4) .. ولأنّ يعقوب عليه السلام عرف تأويل هذه الرؤيا، فتوقع على الفور نتائجها فيما لو علم أبناؤه بها وبتأويلها، فهو أعلم بطبيعة أبنائه وسرائرهم، التي يتملكها الحسد والغيرة وقساوة القلب التي تجعل من هؤلاء الأبناء أعداءً ألدّاء ظالمين .. فماذا كان موقف الوالد يعقوب عليه السلام؟! ..
لقد (حذّر) ابنه يوسف عليه السلام من أن يبوح بخبر الرؤيا لإخوته، أي وصّاه بحفظ السرّ، سرّ الرؤيا .. (والسرية) بمعنى عدم كشف أسرار الدعوة من أهم أساليب العمل الأمني، ومن أهم وسائل تحقيق (الأمن والحماية) لأبناء الدعوة! ..