فكان من إنكاره صلى الله عليه وسلم على مظاهر الشرك عن المشركين طوافهم حول الأصنام وتوسلهم بها فلم يلتزم صلى الله عليه وسلم الصمت والسكوت ولا القوة والجبروت بقدر ما أنكر عليهم باللسان ونصحهم مبينا لهم خطورة فعلهم بقوله لهم ( ويلكم ويلكم ) وهذا غاية في اللطف معهم خوفا عليهم من أن يلحقهم عذاب الله أو سخطه عز وجل لما يفعلون من طواف حول
الأصنام .
فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ويلكم مدْ مدْ ) )26: إلا شركا هو لك تملكه وما ملك . يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت )) 27 .
قال المباركفوري ـ رحمه الله ـ في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: وفيه بيان أن من رأى منكرا ولم يقدر على تغييره باليد فإنه يغيره بالقول ، لأن مدْ مدْ إنكار )) 28 .
ولم تكن هذه الحادثة فريدة في حياته صلى الله عليه وسلم مع خطورة الخطيئة التي فُعلت إذ أنها صورة من صور الشرك بل تكررت من حديثي العهد بالإسلام من أصحابه فتكرر منه اللطف بهم والنصح لهم وتنبيههم لعظيم الجرم وكبير الوزر بضرب المثل لهم كما في سنن الترمذي عن أبي واقد الليثي ـ رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنين ونحن حديثوا عهد بكفر ، وكانوا أسلموا يوم الفتح قال: فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط وكن للكفار سدرة يعكفون حولها ، ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط ، فلما قلنا ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة ، قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم ) )29 . أخرجه الترمذي وابن أبي عاصم واللفظ له .