ورحمة لإخوانهم المؤمنين كالولد مع والده والعبد مع سيده {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي أهل غلظة وشدة يلقونهم بوجوه مكفهرة عابسة كالأسد على فريسته، ووصفهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فيما رواه البخاري ومسلم فهكذا كونوا يا عباد الله إخوانًا، ولا تتفرق بكم السبل عن الطرق المثلى، عن الطريق المنجية، عن الطريق الموصلة إلى الله والدار الآخرة فإن الشيطان له غرض في بني آدم لكن لما أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب رضي بالتحريش بين المسلمين، فشن الغارة عليهم وأتاهم من كل طريق، فمن اعتصم بحبل الله وجاهد العدو كان على سبيل نجاة.
ومن اتبع هواه ولم يلتفت إلى ما أمره به مولاه كان الهلاك إليه أقرب من حبل الوريد، فيا عباد الله اتقوا الله وراقبوه واعتصموا بحبله جميعًا ولا تفرقوا: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .
وأزيلوا ما في قلوبكم من الحسد والبغضاء والحقد والتهاجر ولا تشمتوا أعداءكم بالتفرق والاختلاف، وأغيظوهم بالاجتماع والائتلاف واشكروا ربكم على ما أسداه عليكم ومنَّ به من النعم الدينية والدنيوية والبدنية التي لا تحصى ولا تستقصى، ولا تغيروا فيغير الله عليكم فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم،