إن كثرتَهم من أقوى دلائل الخيانة في الطلب ، و من أدلِّ ما نظفرُ به عليهم في بيان سوءِ المقصد ، و ما كان هذا من عوائد السالفين ، و من مناهج العلماء العاملين ، و العارفُ بسيَرِهم دارٍ بذلك .
و قد تُنُوْقِلَتْ كلمةٌ غَدتْ مثلًا: من بَرَكَةِ العلم و شُكرِهِ عَزوهُ إلى قائله . انظر:"المُزهر" ( 2/231) .
النقلُ نوعان:
الأول: نقلٌ بالنَّصِّ ، و هذا غالبُ ما عليه الأكثرون ، و لِيُلاحَظ فيه: الحرصُ على أن يكون النقلُ معتمدًا من قِبَلِ المنقولِ منه ، و الاعتمادُ قسمان:
القسمُ الأول: اعتمادُ قولٍ هو العمدةُ فيما قرره المؤلفُ ، فبعضٌ _ كثيرٌ _ من العلماء يتخذون أقوالًا تُنقلُ عنهم و تنتشرُ في آفاق الأرض ، ثم يتغيَّرُ رأي العالمِ إلى غيره ، و محلُّ قولهِ الأخير محلاّن:
الأول: كتابٌ يؤلفه هو مؤخرًا فيُعتمدُ عنه .
الثاني: تقرير طلابه ذلك عنه في كتبهم .
القسم الثاني: النظرُ في تقارير طلابه الأثبات عنه ، فلصوق الطالب بشيخه ، و لزومه درسه ، مما يتأكدُ فيه كينونةُ ما يقرره الطالب مُعتمد شيخه .
مع مراعاة الطالبِ من حيثُ: تمام الضبط ، و كمال الديانة ، و إتقان النقلِ ، و موافقةُ الأقران .
النوعُ الثاني: نقلٌ بالمعنى ، و هذا لا عيبَ فيه إذا كان مُقيَّدًا بقيدين اثنين:
أولهما: عدم وجود النقلِ نصًا ، أو تعسرَ ، أو كان ملفوظًا علميًا لا مكتوبًا .
ثانيهما: الفهم الصحيح للكلام المنقول ، فإذا صحَّ الفهمُ للمنقولِ معنى فحسنٌ جميل .
إلا أننا بُليَ زماننا بأقوامٍ أخلوا بكلا الأمرين ، فلا راعوا نقلًا نصيًا ، و لا صانوا المعاني من سَوْءَةِ فهومهم فخانوا العلم و أهله بفهوم منكوسة ، طوى عليها الزمان بساط الردى و الغَيِ .
و ( الأمانة العلمية ) لفقدانها صورٌ عِدَّةٌ:
الأولى: الزيادة على النقل دون الإشارة لها .