وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود ; يشهد بها كل شيء في رحاب الوجود . من الكبير إلى الصغير . ومن الجليل إلى الحقير . . كل شيء مسوى في صنعته , كامل في خلقته . معد لأداء وظيفته . مقدر له غاية وجوده , وهو ميسر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق . . وجميع الأشياء مجتمعة كاملة التناسق , ميسرة لكي تؤدي في تجمعها دورها الجماعي ; مثلما هي ميسرة فرادى لكي تؤدي دورها الفردي .
الذرة بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإلكتروناتها , شأنها شأن المجموعة الشمسية في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها . . وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها . .
والخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والإستعداد لأداء وظائفها كلها , شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة .
وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية ; كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية , درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي , وفي مثل هذا التناسق الجماعي , وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها . . والكون كله هو الشاهد الحاضر على هذه الحقيقة العميقة . .
هذه الحقيقة يدركها القلب البشري جملة حين يتلقى إيقاعات هذا الوجود ; وحين يتدبر الأشياء في رحابه بحس مفتوح . وهذا الإدراك الإلهامي لا يستعصي على أي إنسان في أية بيئة , وعلى أية درجة من درجات العلم الكسبي , متى تفتحت منافذ القلب , وتيقظت أوتاره لتلقي إيقاعات الوجود .
والملاحظة بعد ذلك والعلم الكسبي يوضحان بالأمثلة الفردية ما يدركه الإلهام بالنظرة الأولى . . وهناك من رصيد الملاحظة والدراسة ما يشير إلى طرف من تلك الحقيقة الشاملة لكل ما في الوجود .
يقول العالم [ ا . كريسي موريسون ] رئيس أكاديمية العلوم بنيورك في كتابه:"الإنسان لا يقوم وحده"