كان لعلماء العربية إسهام فعالٌ في الدراسات السيميائية (العلامية) خصوصًا واللسانية بمصطلح اليوم عمومًا. وهو جهد بدا بجلاء في وضع حجر أساس الدراسات المذكورة، ورسم خطتها، ثم تركهم للأجيال اللاحقة تثميرها وإتمامها ورفع بنائها. وإذا كان جهدهم التأسيسي محدودًا نسبيًا، فهو يحاكي زمانه، ويساير مبدأ النشوء والارتقاء؛ لأن كل مبتدئ لشيء لم يُسْبق إليه، ومبتدع لأمر لم يُتَقَدَّم فيه عليه، يكون قليلًا، ثم يكثر، وصغيرًا ثم يكبر.
لم نصدر في ما نقول عن تعصب، ولا عن قلة بحث وتنقيب وتعقب، بل نستند فيما نقول إلى الدليل، ويكون الحكم للمنطق والعقل، وعليهما التعويل. وأبرز عيّنة تشهد لصحة الإشكالية التي نقولها مصطلح (( سيمياء ) )الذي انتقل بلفظه ودلالته إلى الانكليزية فكان
وإذا كان فيه إشارة ودلالة على جهد العرب في الدراسات اللغوية الحديثة، فله دلالة أخرى تقول بوحدة الحضارة الإنسانية، وإسهام المجتمعات فيها، وعدم احتكارها لجماعة دون أخرى، إلا بمقدار إسهامها وكمية جهودها.
لقد عرف العرب علم العلامات وأثْرُوا مباحثه، ولا أجلى لمعرفتهم فيه من أن آثار دراساتهم انعكست جلية في الدراسات المتأخرة. فرأي دوسوسير في السيميائية واعتباره اللغة جزءًا منها، وإلحاقها بعلم النفس عامة وعلم النفس الاجتماعي خاصة، صدى واضح القسمات لآراء الجاحظ، الذي اعتبر أصناف الدلالة خمسة ما بين لفظ وغير لفظ، جاعلًا اللغة من عناصر السيمياء، بالإضافة إلى حديثه عن المواقف التي ترتضي الشكل المعين من الأصناف المذكورة، وربطها بالمقام، وهو حديث علم نفس اجتماعي، من دون أن يسميه.
وبالإشارة المبينة، عسى أن يُرْفع الغبن عن إشكالية، وأن توضع النقاط على حل قضية، عايشها الدارسون وسلموا بما وصل إليهم من حقائق ، كانت محصلة الاستقراء الناقص والمنهج المبتور.
مصادر البحث ومراجعه