علم الفصاحة يضع بين يدي طالب الأدب جملة من الأسس والمبادئ التي يهتدي بها في إنشاء كلام ينوي تأليفه، أو يستعين بها في الحكم على كلام أنشأه غيره. وهذا بعينه هو ما تسعى العلوم الأدبية كلّها إلى تحقيقه: أن تساعد المتعلم على أن يصبح أديبًا منشئًا، أو ناقدًا يميّز جيّد الكلام من رديئه. علم الفصاحة وُجد أصلًا لتعليم فنّ الإنشاء وصناعة النقد، أي أن الغاية التي تطمح الدراسات الأدبية مجتمعة إلى الانتهاء إليها هي غرضه المباشر، ولذلك فإن منزلته بين علوم الأدب غير خافية، وحاجة المتأدبين إليه بادية ظاهرة.
ويحظى هذا العلم بأهميّة كبيرة أيضًا بين العلوم الشرعية، وما ظنّك بعلم يتّصل من معجزة الإسلام ودليل نبوّة الرّسول -صلى الله عليه وسلم- بسبب وثيق؟ إنه أداة لا بدّ منها عند البحث فيما به كان القرآن معجزًا، ولا يستغني المرء عن هذا العلم مهما كان رأيه في وجه إعجاز القرآن وفصاحته، فهو عند ابن سنان أحد رجلين: رجل يُرجع عجز العرب عن معارضة القرآن إلى كون فصاحته خارقة للعادة، خارجة عن حدود الطاقة البشرية، وآخر يرى أن القرآن من جنس كلام العرب وأن فصاحته كانت في مقدورهم، وإنّما عجزوا عن معارضته لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وأفقدهم القدرة عليه. والأمر في الحالين يعود بنا إلى موضوع الفصاحة، والقائل بأيّ من هذين المذهبين لا بدّ له من معرفة حقيقتها؛ فالأول ليس له"مندوحة عن بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعًا خرج عن مقدور البشر ... ] والثاني [يجري مجرى الأوّل في الحاجة إلى تحقّق الفصاحة ما هي، ليقطع على أنها كانت في مقدورهم، ومن جنس فصاحتهم" (ص14) .
مفهوم الفصاحة ودرجاتها هو الموضع الذي يفترق عنده أصحاب المذهبين: هل كانت الدرجة التي وصلت إليها فصاحة القرآن ممكنة للعرب لولا الصرف، أم أنها لم تكن ممكنة لهم على الإطلاق؟ وهذا يبيّن أهمية علم الفصاحة وخطره للباحث في موضوع الإعجاز. ولا يُلتفت هنا إلى ما يروى من كلام مسيلمة الكذّاب وغيره ممّن حاولوا معارضة القرآن الكريم، فهذا كلام يفتقر إلى الفصاحة التي هي موضوع التحدّي أصلًا. وههنا أيضًا نجد أنفسنا في حاجة إلى هذا العلم