وإننا لانستغرب وقوع التنازع والخلاف بين بعض الصحابة لأن هذه طبيعة البشر فالخلاف كان يقع حتى بين أكابر الصحابة كما روى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبا فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ( فقال أبو الدرداء ونحن عنده: فقال رسول الله (: أما صاحبكم فقد غامر , قال: وندم عمر على ماكان منه فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي ( وقص على رسول الله ( الخبر , قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ( وجعل أبو بكر يقول: والله يارسول الله لأنا كنت أظلم فقال رسول الله (:"هل أنتم تاركو لي صاحبي هل أنتم"
تاركو لي صاحبي إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت"قال أبو عبد الله - يعني البخاري: غامر سبق بالخير (1) ."
من هذا المشهد الرائع في حياة الصحابة رضي الله عنهم ندرك مدى السمو الأخلاقي الذي بلغوه .. وضوح وصراحة ثم عفو وتسامح .
إن الأخوة التي بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لم تنقص بهذا الخلاف والمغاضبة بل زادت قوة ومتانة بما يتبعها من العفو والتسامح , بينما نجد أبناء الدنيا على غير هذه الشاكلة .. تحامل في القلوب وأحقاد وضغائن في الخفاء ومداراة وبشاشة في العلانية , وظهور بوجه أمام بعض الناس وبوجه آخر أمام الآخرين ممن يخالفون الصنف الأول في المعتقد والرأي , يحاولون بذلك كسب رضا الناس جميعا عنهم ولو كانوا متباينين في العقيدة التي يترتب عليها الحب والبغض أو يحاولون الكسب الدنيوي من وراء أعمالهم هذه,وهؤلاء هم الذين عناهم النبي ( بقوله"تجد من شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه"(2)
(1) ... صحيح البخاري , كتاب التفسير , سورة الأعراف رقم 4640 .
(2) ... صحيح الإمام البخاري كتاب المناقب باب رقم (1) .
... صحيح مسلم , كتاب البر رقم (98) .