الصفحة 8 من 123

ولئن كانت البشرية قد اكتشفت فساد المناهج البدائية والخرافية التي استندت في تعاملها مع البيئة - إنسانا وطبيعة - إلى وجود أرواح وشياطين وآلهة، تتحكم في نفوس الناس وحركاتهم الجسمية وسلوكهم اليومي، فإن العلم الحديث بدوره قد اكتشف فساد المناهج الميتافيزيقية والفلسفية التي وضعت بديلا للمناهج الخرافية في القرون المتأخرة والعصر الحديث؛ واعتمد فيها لتفسير طبيعة الكون وسلوك الإنسان على ما زعموه جوهرا وماهية وهيولى وصورة، وقوة فاعلة وطاقة حيوية وقوة كيميائية، وإرادة حياة وغرائز للدفاع والاستطلاع وبقاء النوع.

ولئن كان العلم الحديث قد استبدل أسلوبا جديدا غيرها، عده حلا سحريا لمشاكل الإنسان، وسماه"المنهج العلمي"، اعتمد فيه على نظرية دارون، والمادية الجدلية التي تختصرها الآية الكريمة (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية 24، فإنه قد اكتشف أخيرا عجز هذا المنهج العلمي عن الوفاء بما كلف به من مهام، وما نيط به من تكاليف، فظل يراوح مكانه تبريرا وتخبطا ومحاولة ترقيع وتلفيق.

اكتشف العلم الحديث ذلك بعد أن تبين له علميا فساد نظريته المادية التي جعلها قاعدة لمنهجه، وخطل تفسيره السلوك البشري بكونه مجردَ ظاهرة طبيعية لا تحتمل أي غموض أو إبهام أو غيبية، ومحضَ نشاط محتوم في مواجهة البيئة من أجل البقاء، لا فرق في ذلك بين انقباض عضلة أو إفراز غدة أو اختيار عمل أو ملبس أو زوجة أو علبة سجائر، ونتيجة ًمنطقيةً لأسباب مادية محضة لا علاقة لها بحرية الإنسان أو مسؤوليته عن أفعاله وتصرفاته، أو مساواته مع بني جنسه؛ وبعد أن اتضح له أن اعتبارَ السلوك البشري وسلوك أي كائن حي مجردَ استجابة لظروف البيئة، يلغي حرية الإنسان، ويجعل جميع تصرفات البشر مهما ساءت، طبيعية ومقبولة ومشروعة، وغيرَ مسؤولة قانونا وشرعا، مثلهم في ذلك مثل الكلب الذي يعض المارة فلا يتحمل أي مسؤولية؛ مما عصف بكل مبادئ حرية الإنسان وكرامته وحقوقه التي تتبجح بها الحضارة الغربية الحديثة.

ولئن كانت بعض الديانات والمذاهب الضالة تدعي أن الإنسان فاقد لكل حرية في الاختيار، فإنها على الأقل زعمت أن الله تعالى هو الذي سلبه هذه الحرية، وفرض عليه جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت