معه، كما هو شأن قوم نوح الذين لم تزدهم دعوته إلا فرارا، ولم يزيدوا عند سماعهم إياها على أن (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) نوح 7.
وهو ما فات أيضا بعض شباب الحركة الإسلامية الذين استعجلهم حب الظهور والزعامة، فحاولوا شق الصف وفتنة الجماعة والتجسس عليها والكذب عليها، بتأويل الأقوال والتصرفات، وتبرير الأعمال والتوجهات، مدججين بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من مكر، غير متورعين عن استعمال أخس أساليب الكيد والشيطنة، فكان عاقبة أمرهم أن ارتكسوا في الفتن أو قبعوا في مزابل الخزي والنسيان، أو اضطروا إلى التذلل والاعتذار لملاحدة العصر وشيوعييهم والتملق حتى لداعراتهم، لعَلَّ توبتهم من سابق انتمائهم الإسلامي تقبل، ومكاسبهم الدنيوية تحفظ، أو شغلوا عن فتنة الدعوة وأهلها بما اقتضته حكمة العلي القدير، نسأل الله العفو والعافية.
إن الشطط في الاعتماد على القلب والعقل يخرج عن دائرة السواء، كما أن العدل في الاعتماد عليهما والمزاوجة بينهما بالضوابط التي تنظم حركتهما، يضمن السواء في جميع الميادين، ويجعل الإنسان مستويا على ساقين سليمتين، والدين ميسرا واضحا لكل ذي عينين، والعلم الطبيعي متطورا مزدهرا في خدمة الإنسانية، ومن أجل سعادتها.
ولقد حققت العقول عندما سخرت في مجالها وحدودها، ما نراه من تقدم وريادة وتطور في مختلف العلوم، صناعة، وزراعة، وطبا، وفلكا، وفضاء، وذرة ...
كما أنشأت القلوب الحية الربانية نماذج من الرجال الأفذاذ الذين غيروا وجه التاريخ، ورفعوا شأن الأمة، وحققوا مجتمع السعادة والطمأنينة والرخاء والحرية ...
كما تورطت العقول والقلوب عندما تجاوزت حدودها وهي تعالج قضايا الغيب والشهود في متاهات من الأخطاء هبطت بها إلى مستوى تساؤلات الصبية والحمقى، دون أن تحقق أدنى نتيجة.
ومع ذلك فإن الخطأ في استعمال العقل والقلب ليس بالأمر الخطير إذا توفر الإخلاص والموضوعية والصدق في البحث عن الحق، والإرادة الصلبة للنقد الذاتي، والتحكم الواعي في السلوك والاختيارات، إذ سرعان ما يتراجع المخطئ إلى الصواب كلما اكتشفه.