و الخطأ الثالث -من أخطاء منهجية الكتابة العلمية - هو استخدام أركون للمغالطات ، فقد استخدمها كثيرا و بطرق مختلفة ، و ملتوية ، أذكر منها طائفة ، أولها إنه زعم أن المستشرقيّن كلود كاهن ، و روزنتال ، كشفا في بعض كتبهما عن التاريخ الإسلامي مدى (( التلاعب بالوقائع و الشخصيات الكبرى المثالية ، بهدف دعم إيديولوجيا الكفاح ، التي تتبناها الأحزاب ، و الزمر و الطوائف المتنافسة على الأرثوذكسية ، و على السلطة ، لقد فضحا كل ذلك لدى العديد من المؤلفين ، و كتب التاريخ القديم ) ) (1) . و قوله هذا مغالطة مفضوحة ، ترمي إلى التضليل و التغليط و التدليس على القارئ ، و فيه أيضا مدح لأعمال هذين المستشرقيّن ، لأن الأمر الذي زعم أنهما اكتشفاه ، هو أمر معروف بالضرورة من التاريخ الإسلامي قديما و حديثا ، منذ القرون الأولى الهجرية و ما بعدها إلى يومنا هذا ، فذلك الزعم لا يُعد كشفا و لا سبقا ، و قد تنبه له علماء أهل السنة مبكرا ، و صنفوا فيه كتبا ميزوا فيها الرواة المُعَدلين من المجروحين ، و ميزوا مروياتهم في مختلف مجلات العلوم ، خاصة فيما يتعلق بالسنة و السيرة ،و تاريخ الصحابة ، و التابعين ، و مصنفاتهم في الجرح و التعديل، و العلل و التراجم شاهدة على ذلك ، و هي كثيرة جدا و مطبوعة ، و متداولة بين أهل العلم ، كالعلل لأحمد بن حنبل ، و الجرح و التعديل لابن أبي حاتم ، و الضعفاء للعقيلي ، و غيرها كثير . و هذه العملية لم تتوقف عند القرون الأربعة الأولى ، و إنما استمرت بعدها إلى يومنا هذا ، من ذلك كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي ، و منهاج السنة النبوية لابن تيمية ، و المنار المنيف لابن قيم الجوزية ، و السلسلة الصحيحة و الضعيفة لناصر الدين الألباني ، و قد أشار المؤرخ شمس الدين الذهبي (ت 748ه) إلى تلك الظاهرة مرارا في كثير من كتبه ، كسير أعلام النبلاء ، و ميزان الاعتدال في
(1) تاريخية الفكر ، ص: 26 ، 27 .