و الأمر الثاني هو أنه لا يُوجد فرق بين الخبر الشرعي و الخبر البشري ، من صيغة الورود ، و إنما الفرق هو في الشخص القائل أو الفاعل ، من حيث: هل القائل و الفاعل هو نبي ، أم هو إنسان عادي ؟ ، فعندما يقول المحدث مثلا: حدثنا سفيان الثوري ، قال: حدثنا الحسن البصري ، عن ابن عباس ، أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- قال: ... . و عندما يقول المؤرخ مثلا: حدثنا عمر بن شبة ، قال: حدثنا أحمد بن حنبل ، قال: حدثنا الشافعي ، أن هارون الرشيد قال: .. . فلا يُوجد أي فرق بين المثالين من حيث طريقة و صيغة ورود الخبرين ، و نستطيع أن نُخضعهما للنقد و التمحيص ، بمنهج واحد ، هو منهج المحدثين .
كما أنه لا يغيب عنا أن مضمون الخبر من حيث الإنشاء و الإخبار ، لا تأثير له على صيغة الورود ، لأن ابن خلدون ذكر أن الغالب على الخبر الشرعي الإنشاء لا الخبر (1) -من حيث تقسيم الكلام- ، و هذا أمر لا دخل له في مبرر تقسيم الخبر إلى شرعي و بشري ، على رأي ابن خلدون ، لأن كلا من الخبرين يتضمن بالضرورة إنشاء و خبرا ، أو أحدهما ، وفي أية حالة ورد فيها إلينا الخبر ، تكون هذه الرواية خبرا ، و بمعنى آخر ، فإن هذه الرواية إما أن تُخبرنا بإنشاء و خبر ، و إما أنها تخبرنا بأحدهما . و بناء على ذلك فإن النقد التاريخي ليكون كاملا ، فلا بد من نقد الخبر بنوعيه ، إسنادا و متنا ، و ليس كما قال ابن خلدون و وافقه عليه الجابري .
و رابعا هو إن الجابري ادعى أن ابن خلدون أراد أن يجعل من التاريخ علما ، بتأسيسه على البرهان ، فنجح في ذلك باختراع منطق أو طريقة برهانية ، لتطبيقها في ميدان التاريخ ، و بذلك (( نجح ابن خلدون في اكتشاف علم جديد ، يصلح أن يكون -على الأقل من وجهة نظره- معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق و الصواب فيما ينقلونه ) ) (2) .
(1) مقدمة ابن خلدون ، ط 1، دار الكتب العلمية ، 1993 ، ص: 29 .
(2) بنية العقل ، ص: 548 .