و الخطأ الثاني هو أن ما ذكره الجابري من قواعد المنهج النقدي الخلدوني ، كقانون المطابقة ، و الاحتكام إلى طبائع العمران ، هو أمر ليس جديدا أصلا ، فقد كانت معروفة ، استخدمها بعض كبار النقاد من الحفاظ و المؤرخين المسلمين ، كالخطيب البغدادي ، و ابن الجوزي ، و ابن تيمية ، و الذهبي ، و ابن كثير ، و قد ذكرنا فيما تقدم آنفا خمسة شواهد على ذلك ، من باب التمثيل لا الحصر (1) . حتى أن المحقق ابن قيم الجوزية خصص كتابه: نقد المنقول لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ، من خلال نقد المتون فقط ، أورد فيه جملة من القواعد النقدية الهامة مدعمة بالأمثلة التطبيقية ، كانت من بينها قواعد ذكرها ابن خلدون في مقدمته ، كالاحتكام إلى المشاهدة و التجربة ، مع العلم أنه عندما تُوفي ابن القيم سنة 751ه ، كان لابن خلدون نحو21 سنة ، و هو لم يشرع في تدوين العبر بمقدمته إلا سنة 776هجرية (2) .
و الخطأ الثالث يتمثل في أن الجابري لم يتنبه لخطأ ابن خلدون -إضافة إلى الأخطاء الأخرى- في تفريقه بين الخبر الشرعي و الخبر البشري من حيث النقد التاريخي ، فخص الأول بالنقد الإسنادي - الجرح و التعديل- ، و خصّ الثاني بالنقد المتني ، و هذا تفريق غير صحيح ، لأمرين أساسيين ، أولهما هو أن علماء الحديث ، أخضعوا الحديث النبوي للتحقيق إسنادا و متنا ، و لم يُخضعوه للنقد الإسنادي فقط ، و منهجهم الذي ذكرنا طرفا منه شاهد على ذلك . كما أن كبار النقاد من الحُفاظ و المؤرخين ، الذين نقدوا الروايات التاريخية ، طبقوا عليها نفس منهج نقد الخبر الحديثي ، على مستوى الأسانيد و المتون معا ، من دون أن يُفرقوا بين نقد الإسناد و المتن ، و لا بين الخبر الشرعي و الخبر البشري من حيث طريقة النقد و جوانبه (3) .
(1) للتوسع أنظر: نفس المرجع ، ص: 32 و ما بعدها .
(2) نفس المرجع ، ص: 4 .
(3) سبق أن ذكرنا شواهد على ذلك .