و الشاهد الرابع يتعلق برواية نقدها الذهبي ، مفادها أن زين العابدين علي بن الحسين اقترض مالا من الخليفة الأموي مروان بن الحكم ، فلما احتضر مروان أوصى بأن لا يُؤخذ منه -أي زين العابدين- ذلك المال . فقال الذهبي أن هذه الرواية لا تصح ، لأن إسنادها منقطع ، و متنها مردود ، لأن مروان بن الحكم لم يحتضر عندما مات ، لأن امرأته غمته بوسادة هي و جواريها فمات ، لأنها أضمرت له الشر عندما صرف الخلافة عن ابنها خالد بن يزيد إلى غيره من بني أمية (1) .
و آخرها -أي الشاهد الخامس- يتضمن رواية نقدها المؤرخ ابن كثير ، مفادها أن نهر النيل ينبع من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى فيه هولا عظيما ، و جوار حسانا ،و أشياء غريبة ، و أن الذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد ذلك ، فقال ابن كثير إن هذه الرواية هي من خرافات المؤرخين ، و هذايانات الأفاكين (2) .
و ثانيا إنه ادعى أن التاريخ قبل ابن خلدون (ت808ه) لم يكن من العلوم الاستدلالية ، و إنما كان علم رواية و نقل ، كعلم الحدبث (3) . و قوله هذا يتضمن خطأين ، أولهما إنه ليس صحيحا بأن علم الحديث كان علم رواية و نقل ، و لم يكن علما استدلاليا ، لأن هذا العلم كان علم رواية و دراية ، قام أساسا على منهج نقدي عقلي ، محّص الروايات تمحيصا عقليا ، جمع فيه بين نقد الأسانيد و المتون معا ، على ما سبق أن بيناه .
و ثانيهما إن حكمه العام على التاريخ ، بأنه كان علم رواية و نقل فقط ، هو حكم لا يصدق على كل المؤرخين المسلمين ، لأنه وُجدت طائفة من كبار نُقاد الحديث و التاريخ ، مارست النقد التاريخي الاستدلالي البرهاني ، مستخدمة منهج نقد الخبر الحديثي ، و طبّقته على روايات تاريخية كثيرة ، ذكرنا منها طرفا آنفا .
(1) سيّر أعلام النبلاء ، ج 3 ص: 479 ، ج4 ص: 390 .
(2) ابن كثير: البداية ، ج1 ص: 27 .
(3) التراث و الحداثة ، ص:319 .