فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 613

و الخطأ الرابع يتعلق باللغة و علاقتها بالتصورات و العقائد ،و أذكر لتوضيح ذلك مثالين ، أولهما زعم فيه الجابري أن دراسات حديثة أكدت على أن اللغة -أي لغة- (( تُحدد أو على الأقل تُساهم مساهمة أساسية في تحديد نظرة الإنسان إلى الكون و تصوّره له ككل و كأجزاء ) ) (1) .

و قوله غير صحيح تماما أو بنسبة 99 /100 ، لأنه أولا إذا كان الإنسان يتأثر بلغته و يُؤثر فيها هو أيضا ، فكلام الجابري غير صحيح في المجال الذي حدده ، و هو نظرة الإنسان إلى الكون و تصوّره ، لأن هذه المجال تحدده الأديان و العقائد و المذاهب على اختلافاتها و تناقضاتها ، و عليها بنى الإنسان-قديما و حديثا- نظرته إلى الله و الكون ، و الإنسان و الحياة . و بمعنى آخر إنها هي التي تُجيب الإنسان على الأسئلة الأزلية المعروفة ، و هي: من أين ؟ ، و إلى أين ؟ ، و لماذا ؟ ،و على ضوء الإجابة عليها يبني الإنسان حياته في هذه الحياة الدنيا ، و ليست اللغات هي التي تُجيبه على تلك الأسئلة .

و أما عن كيفية نشأة تلك الأديان و العقائد و المذاهب ، فهي أيضا غير متعلقة باللغات ، و ليست هي التي أنشأتها . لأن الدين إذا كان دينا ربانيا صحيحا ، فالله تعالى هو واضعه و مشرّعه ، و أما الأديان و العقائد و المذاهب الأرضية ، فهي من وضع البشر ، تابعة لمؤسسيها ، بناء على نظرتهم إلى الله تعالى ، و الكون و الحياة و الإنسان . فهذه المنطلقات هي التي تُحدد أصول تلك الأديان و العقائد و المذاهب و فروعها ، و ليست اللغات .

(1) تكوين العقل العربي ، ص: 72 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت