و أما الخطأ الثالث فيتمثل في أنه-أي أركون- عندما أشار إلى الصراع الذي حدث بين المعتزلة و الحنابلة ، وصف موقف المعتزلة بأنه لا مؤسطر - أي عقلاني لا أُسطوري- ، و وصف موقف الحنابلة بأنه موقف إيماني أو تسليمي (1) .
و قوله هذا يتضمن أخطاء و مبالغات ، لأنه أولا أن وصفه لفكر المعتزلة بأنه غير مُؤسطر ، بمعنى أنه عقلاني ، هو وصف غير صحيح في معظمه ، لأن المعتزلة ، لم يُقيموا معظم أصولهم على العقل الصحيح الصريح ، و لا على النقل الصحيح ، و إنما أقاموه على ظنون و تجريدات ، و خاضوا في أمور بعقولهم المحدودة في مواضيع قال فيها الشرع كلمته النهائية ، كإثبات الصفات لله تعالى ، و تقديم الشرع على العقل، و هم نفوا الرؤية و كثيرا من الصفات ، و خاضوا في ما لا يُدركه العقل (2) ، و هذا خطأ منهجي كبير، فليس من العقل أن يخوض العقل في أمور لا يُدركها ، و أن يتقدم العقل على الشرع ،أو يُساويه أو يُزاحمه. تلك هي بعض جوانب عقلانية المعتزلة المزعومة ، التي زعم أركون بأنها غير مُؤسطرة ، و هي في الحقيقة كثيرا ما قامت على الظنون و الأوهام و تأويل الشرع .
(1) الفكر الإسلامي ، ص: 188 .
(2) أنظر مثلا: القاضي عبد الجبار المعتزلي: شرح الأصول الخمسة ، الجزائر ، موفم للنشر ، 1990 ، ج 1:ص: 120 ، و ما بعدها ، و الشهرستاني: الملل و النحل ، ج 1 ص: 75 .