و أما الخطأ الثالث فيتعلق بنظرة الجابري إلى مسألة تعليل الأحكام الشرعية و الأفعال الإلهية ، و تفسيره لها ، فزعم الجابري أنها مسألة توقع في إشكال لا يقبل حلا ، و الآيات القرآنية فيه متضاربة ، فإذا قلنا: أفعال الله مُعللة صادرة عن علة ، فهذا عين الإشكال ، لأنه يعني أن (( إرادة الله ليست حرة حرية مطلقة ، بل هي موجهة لدوافع و اعتبارات ، أو بواعث و أغراض ... مما يتنافى مع الكمال المطلق ، الذي يتصف به الله ) )، هذا بالإضافة إلى أن (( هناك آيات في القرآن تفيد أن الله لا يصدر في أفعاله عن أية دوافع مهما كانت ، و أنه لا يُسأل عما يفعل ، و بالتالي فأفعاله غير مُعللة إطلاقا ) ) (1) .
و إذا كانت فرضية أن أفعاله مُعللة انتهت بنا إلى أنها غير مُعللة ، فهذا يعني أنها لا ترمي إلى أي هدف ، و لا تصدر عن أي حكمة ، مما يعني أيضا أنها أفعال عشوائية عبثية ، و هي صفات تناقض فكرة الكمال الإلهي ، هذا فضلا على أن الله وصف نفسه في القرآن بأنه لا يفعل العبث ، و بذلك نصل إلى القول: (( إن أفعاله لا يمكن أن تكون غير مُعللة ) )، عكس ما سبق تقريره ، و بذلك نكون إذا عللنا الأفعال و الأحكام نكون انتهينا إلى أنها غير مُعللة ، و إذا قلنا: إنها غير مُعللة انتهينا إلى أنها مُعللة ، و هذا تناقض (2) .
(1) بنية العقل ، ص: 159 .
(2) نفسه ، ص: 159 .