و ثانيا إن الإجماع مبدأ أقره الشرع ، و هو ضرب من الاجتهاد القائم على العلم و العمل ،و قلة حدوثه لا تقدح فيه ، لأن هذه القلة دليل على الحيوية و المرونة ، و تعدد وجهات النظر و احترامها زمن الصحابة ، الأمر الذي يعني أن ما زعمه الجابري من تضخيم لسلطة الإجماع ، و بالتالي سلطة السلف هو زعم مبالغ فيه جدا ، جعل من الحبة الصغيرة قبة كبيرة . علما بأن الشرع عندما شرّع الإجماع لم يجعله سلطة مستقلة ، و إنما هو تابع له ، قال تعالى- { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} - سورة النساء/59-: ، و جاء في الحديث (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ) (1) . و عليه فإن الإجماع ليس سلطة مسلطة على المسلمين ، كما صوّره الجابري ، و إنما هو ضرب من الاجتهاد يقوم على الدليل ، مع العلم أنه من المعروف في الأصول أنه لا اجتهاد و لا إجماع مع النص .
و الخطأ الثاني يتعلق بإجماع الصحابة أيضا ، و ذلك أن الجابري عندما عرض موقف القاضي النعمان الشيعي الإسماعيلي ، من إجماع الصحابة ، ذكر موقفه و سكت عن أخطائه ، و زعم أنه -أي النعمان- أبطل أصول أهل السنة . كقوله (( كيف يجوز الإقتداء بالصحابة في كل ما يقولونه و يفعلونه ، و يأمرونه و ينهون عنه ) )، و هؤلاء الذين زعموا أنهم أصحاب الرسول ، قد (( تفرقوا من بعده ، و تحاجزوا ، و اقتتلوا ، فقتل بعضهم بعضا ) ) (2) .
(1) الأباني: الجامع الصغير و زياداته ، ج 1 ص: 114 . .
(2) بنية العقل ، ص: 322 .