و ثالثا إن ما قاله الجابري هو مغالطة تتضمن أمرا خطيرا ، و هي تندرج ضمن مشروعه الذي أنجزه في إطار سلسلة: نقد العقل العربي ، فسابقا ذكرنا أنه زعم أن القرآن محكوم بمعارف و علوم المجتمع الذي نزل فيه .و ذكرنا أيضا أنه نفى وجود طرق استدلال في القرآن على قوتها و كثرتها ، و عارض التفسير العلمي للقرآن على ثبوته و أهميته ، و ها هو هنا يزعم أنه لا ينبغي استخدام القرآن في ردودنا على الكفار . و هذا كله يصب في إطار تقزيم الشرع ، و تفريغه من عناصر القوة فيه ، و إبعاده و محاصرته و تحجيمه ، و الانتقاص من دوره و مكانته ، انتصارا للقومية و العقلانية العلمانيتين المزعومتين ، اللتين يتبناهما الجابري ، و سيتضح هذا أكثر ، لاحقا إن شاء الله تعالى .
و أما الخطأ الأخير- السادس من المجموعة الأولى- ، فيتعلق بنظرة الجابري إلى نظام الحكم في الإسلام ، فادعى أن (( القرآن لم يتعرض لمسائل الحكم و السياسة ، و لا شكل الدولة ) )، و ليس هناك نظام حكم شرّع له الإسلام ، و لا توجد نظرية في الحكم نص عليها القرآن و السنة ، و لكي توجد لا بد أن يحدث إجماع بين العلماء المسلمين في العصر الحديث ، على نظرية في الحكم يُوافق عليها جميع المسلمين ، لأن إجماع الأمة مصدر للتشريع في الإسلام )) (1) .
(1) العقل السياسي العربي ، ص: 308، 310 ، 324 .