إن ما يهمنا من حصاد النصوص والإحصاءات السالفة الذكر يكمن في إبراز الإشعاع العلمي الذي شهدته المدارس النظامية، ورحلة علماء المغرب والأندلس للارتشاف من نبع شيوخها الأكفاء. أما النتيجة فقد كانت في غاية الأهمية حيث عاد هؤلاء العلماء متشبعين بروح المذهب السنّي المالكي، وحسبنا أن العالم المغربي أبا عمران الفاسي عاد إلي مدينة فاس المغربية بعد أن رسخ قدمه في قواعد المذهب، إلي درجة أن شيخه أبا بكر الباقلاني شبه علمه بعلم الإمام مالك 1، و أصبح بعد عودته من المشرق عالما نحريرا تضرب إليه الأكباد، ويتسابق إليه طلاب العلم من أمثال عتيق السوسي ومحمد بن طاهر، ووجّاج بن زلّو اللمطي، وجماعة من الفاسيين والسبتيين والأندلسيين 2.و تفاني هؤلاء جميعا في الذّبّ عن المذهب المالكي 3، و لعبوا دورا مهما في الإسراع بوتيرة انتشاره بالمغرب والأندلس.
والحاصل أن رحلة علماء المغرب والأندلس نحو المشرق الإسلامي في القرن الخامس الهجري، وخاصة نحو العراق، ساهمت بشكل أساسي في تكوين أطر مغربية مالكية ستلعب دورا مهما وجوهريا في الصحوة التي عرفها المذهب المالكي بالمغرب والأندلس خلال نفس الفترة.
ثانيا: تدريس الفقه المالكي:
من المتعارف عليه أن التدريس يشكّل وسيلة من الوسائل الناجعة في شيوع الفكر وانتشاره. وقد وعي علماء المغرب والأندلس أهمية هذه الوسيلة التربوية والدينية، فجنّدوا أنفسهم لذلك. و يعدّ الفقيه المغربي وجّاج بن زلّو اللّمطي أنموذجا يمكن الاستناد عليه لتأكيد هذه الفكرة، فوعيا منه بأهمية الدور الذي تقوم به المدارس في نشر المذهب المالكي، لم يتوان عن تأسيس مدرسة بمنطقة نفيس بالسوس الأقصي جنوب المغرب،
(1) ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ج 7، تحقيق سعيد أعراب، ص 246.
(2) نفس المصدر، ص 245.
(3) معرفة القراء الكبار، للذهبي، ج 1، ص 312.