قال الحافظ إبن حجر في الإصابة: «سويد بن سعيد فيه مقال، و قد أخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر» . قلت سويد بن سعيد ثقة شيخ مسلم، لكنه عمي فقبل التلقين فحدث بالمناكير. لكنه قد توبع من عدة وجوه، مما يثبت أنه حدث قبل أن يعمى أو أنه ثبت في هذا الحديث.
أخرج أحمد بن حنبل في مسنده (4>101) : حدثنا روح قال ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة يتبع رسول الله r بها، واشتكى أبو هريرة. فبينا هو يوضئ رسول الله r، رفع رأسه إليه مرة أو مرتين فقال: «يا معاوية، إن وليت أمرًا فاتق الله عز وجل واعدل» . قال: «فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول النبي r، حتى ابتليت» .
هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي: وثقه الدارقطني وغيره، وروى عنه البخاري، ولم يجرحه أحد. تهذيب التهذيب (8>104) . وجدّه وثقه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي. تهذيب التهذيب (4>60) . روح بن عبادة: ثقة كثير الحديث. التهذيب (3>253) .
شبهة أن المحدثين الأوئل ضعفوا هذه الأحاديث
من الأخطاء التي وقع بها عدد من العلماء، توهمهم أن المتقدمين لم يصححوا شيئًا من هذه الأحاديث. و هذا خطأ بين واضح. وقد سبق وذكرنا عدد من المتقدمين ممن صححوا عددا كبيرا من الأحاديث في فضائل معاوية. ولعل سبب خطأهم هذا توهمهم أن جمعًا من أئمة السلف -رحمهم الله- لم يصححوا تلك الأحاديث. وسنرد على هذه الشبهات بالتفصيل فيما يأتي بعون الله:
1-وأما ما يتشدق به البعض من نقلهم عن إسحاق بن راهويه أنه قال: «لا يصح عن النبي r في فضل معاوية شيء» . فهذا القول عن ابن راهويه باطل ولم يثبت عنه. فقد أخرج الحاكم كما في السير للذهبي (3>132) والفوائد المجموعة للشوكاني (ص 407) عن الأصم -أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم- حدثنا أبي، سمعت ابن راهويه فذكره. و في الفوائد: سقطت «حدثنا أبي» ، و الأصم (ولد عام 247هـ) لم يسمع من ابن راهويه (توفي عام 238هـ) . فيكون الأثر منقطعًا إن لم تكن ثابتة.
ويعقوب بن يوسف بن معقل أبو الفضل النيسابوري -والد الأصم- لم يوثقه أحد! فقد ترجمة الخطيب في تاريخه (14>286) فما زاد على قوله: «7582 يعقوب بن يوسف بن معقل أبو الفضل النيسابوري قدم بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه روى عنه محمد بن مخلد» . ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وله ذكر في ترجمة ابنه من السير (15>453) ولم يذكر فيه الذهبي أيضًا جرحًا ولا تعديلًا، وذكر في الرواة عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، ولم أجده في الجرح والتعديل، ولا في الثقات لابن حبان. و بهذا فإن هذا القول ضعيف لم يثبت عن إسحاق بن راهويه رحمه الله. وحاشى الإمام إسحاق من ذلك القول.
ولنفرض جدلًا أن والد الأصم كان ثقة (مع أنه ليس فيه توثيق) ، فما قوة هذا القول؟ وما المقصود منه؟ فعندما نقل الإمام الترمذي عن شيخه الإمام البخاري إنكاره على من يرفض الاستشهاد بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإن الحافظ الذهبي نسب الإمام الترمذي للوهم ورفض تلك المقولة. علمًا أن الترمذي ينقل عن شيخه الذي لازمه مدة طويلة، والترمذي هو ما عليه من الحفظ والفهم والنباهة. فما قيمة عبارة باطلة ينقلها رجل مجهول الحال كوالد الأصم؟
2-وأما الشبهة الثانية وهي ما يشاع أن الإمام البخاري لم يجد في فضائل معاوية شيء، فقد أجاب عنها ابن حجر بقوله: «إن كان المراد أنه لم يصح منها شيء وفق شرطه -أي شرط البخاري- فأكثر الصحابة كذلك» . انظر: تطهير الجنان عن التفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان (ص 11) . ولكنه أخرج في صحيحه وتاريخه أحاديث صحيحة في فضائل معاوية t.
وأما أن الإمام البخاري عبّر في ترجمة معاوية t بقوله: «باب ذكر معاوية رضي الله عنه» ، ولم يقل فضيلة ولا منقبة. فإن الإمام البخاري كذلك عبّر في ترجمة عبد الله بن عباس t بقوله: