الصفحة 104 من 176

ومما ورد في صفات المشركين قوله تعالى"انما المشركون نَجَس فلا يقربوا المسجَد الحرام بعد عامهم هذا - سورة التوبة / 28"وصفة (نَجَس) بفتح الجيم مشتقة من نَجِسَ الشيءُ ينجس من باب طَرِبَ فهو (نَجَس) و (نَجِس) [1] ، وهو صفة مشبهة وقال ابن عاشور:"و (نَجس) صفة مشبّهة، اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له، وقد انيط وصف النجاسة بهم بصفة الاشراك، فعلمنا انها نجاسة معنوية نفسانية وليست نجاسة ذاتية والنجاسة المعنوية: هي اعتبار صاحب وصف من الاوصاف محقرا متجنبًا من الناس فلا يكون أهلًا لفضلٍ ما دام متلبسًا بالصفة التي جعلته كذلك، فالمشرك نَجَس لاجِل عقيدة إشراكه، وقد يكون جسده نظيفًا مطيبًا لا يستقذر، وقد يكون مع ذلك مستقذر الجسد ملطخًا بالنجاسات لأن دينه لا يطلب منه التطهر، ولكن تنظفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم" [2] .

وذهب الزمخشري الى ان (نَجَس) في الآيه الكريمة مصدر على (فَعَل) وصف به للمبالغة اذ قال:"النَجَس: مصدر، يقال: نَجِسَ نَجَسًَا، وقذر قذرًا، ومعناه ذو نجس، لآن معهم الشرك الذي هو النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم أوجعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها" [3] .

وكلا المعنيين اللذين حمل عليهما لفظ (نَجَس) الصفة او المصدر يوافق العلة التي من اجلها منع المشركون من ان يقربوا المسجد الحرام وهي اتصافهم بصفة النجاسة وتمكنها منهم وثبوتها فيهم.

بعد هذا نستطيع القول ان الصفة المشبهة على (فَعَل) في القران الكريم لم تخرج في ألفاظها عن البابين الاصيلين للصفة المشبهة وهما باب فَعُل وباب فَعِل اللازمين. واللذين دلت الأفعال منهما على المعاني الثابتة في الموصوف لا الجادثة الطارِئة.

فَعِل

يعد بناء (فعل) من ابنية الصفة المشبهة المطردة، فقد ذكر سيبويه هذا البناء في باب الادواء اذ قال:"هذا باب ما جاء من الادواء على مثال وجع يوجع وجعًا وهو وجع، ... وقالوا في مثل وَجِعَ يَوْجَعُ في بناء الفعل والمصدر وقرب المعنى: وَجِلَ - يوْجَلُ وجلًا وهو وجل ... وجاء ما كان من الذعر والخوف على هذا المثال، لانّه داءٌ قد وصلِ الى فؤاده كما وصل ما ذكرنا الى بدنه، وذلك قولك: فَزِعتُ فَزَعًا وهو فَزِع، وفَرِق يفرقَ وهو فَرِق، ووجِلَ يَوْجَلُ وجَلًا وهو وَجِل ... وقد بنوا أشياء على فعل يفعل فعلًا وهو فعل، لتقاربها في المعنى، وذلك ما تعذر عليك ولم يسهل وذلك: عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا وهو عَسِر، وشَكِسَ يَشكسَ شكسًا وهو شَكِس، فلما صارت هذه الأشياء مكروهة عندهم صارت بمنزلة الأوجاع، وصار بمنزلة ما رموا به من الأدواء [4] ."

وقال الرضي الاسترابادي"ان (فعل) لازمه أكثر من متعديه والغالب في وصفه أن يكون للأعراض من الوجع وما يجري مجراه ..." [5] . أي ان بناء (فعل) يدلّ على ما كان عرضًا، ومعنى العرض الذي لايكون له ثبات [6] .

(1) ينظر لسان العرب مادة (نجس) .

(2) التحرير والتنوير 10/ 160.

(3) الكشاف 2/ 261.

(4) الكتاب 4/ 17 - 21.

(5) نفسه 1/ 72.

(6) ينظر المفردات ص 334.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت