فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 214

يعتبر المشروع الصهيوني آخر التجارب الاستعمارية في العالم وأكثرها تعقيدًا، فهو، أولًا، مارس ما يعرف باستيطان الانفصال الذي مارسه المستوطنون في جنوب إفريقيا وروديسيا وكينيا وأدى إلى قيام كيانات استيطانية ومارس الاستعمار الاستئصالي أو الإجلائي لإزالة كل ما ينتمي إلى فلسطين بشريًا وحضاريًا قبل عملية بناء الكيان. وهذا ما سندرسه بالتفصيل في الفصل الثاني الذي يعالج الترانسفير الصهيوني كشكل من أشكال حل مشكلة السكان الأصليين بعد أن اتضح، ولأسباب لا مجال لذكرها هنا، عدم إمكانية تطبيق الخيار الأمريكي مع الهنود الحمر الذين تمت إبادتهم جسديًا، ثانيًا: جمع بين القومية والدين، بين النظام الاستيطاني الإجلائي والاستعمار التقليدي القائم على التوسع ونهب الخيرات، وبدلًا من الاعتماد على دولة عظمى واحدة، اعتمد على النظام الأوروبي في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وما بين الحربين العالميتين، ثم نقل ولاءه وتحالفه عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة، ثالثًا: أوجد تشكيلة اجتماعية/ اقتصادية فريدة في تكوينها، وجدت مؤسسات السلطة فيها قبل أن يتشكل المجتمع عينة، فالوكالة اليهودية كانت بمثابة الدولة حتى عام 1948، الهستدروت تأسس تقريبًا قبل أن تتشكل الطبقة العاملة التي يمثلها، والهاغناة كانت الجيش والشرطة وكل ما يتعلق بالإكراه وممارسته. رابعًا استفادت إسرائيل من كل تجارب الأبارتيد والفصل العنصري في العصر الحديث، فقد أشرف العسكريون البريطانيون، كما سترى لاحقًا في الفصل الرابع على اختيار مواقع المستوطنات وتحصينها، وتدريب المحاربين فيها، وقدمت الولايات المتحدة لإسرائيل الشكل العملي لتطبيق لعبة العدالة البريطانية في التمييز ضد العرب في الأراضي المحتلة عام 1948، وفي تكريس سياسة حق القوة، وقدمت جنوب إفريقيا تجربة فريدة في التخلص من السكان من خلال الحكم الذاتي، والسيطرة على الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت