تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 436
(الرُّوحِ) ليتميز عن الحقيقة وهيئتها واستعدادها (قُلِ) الحقائق واستعداداتها أمور عدمية تعلق بها العلم الالهى فكانت ثابتة فيه لا في الواقع إذ (الرُّوحِ) وهيأته أمر وجودى حصل (مِنْ أَمْرِ رَبِّي) بلا واسطة مادة فلم يكن لها شكل ولا مقدار ولا دخول في البدن ولا خروج عنه ولا اتصال به ولا انفصال عنه وهذا انما يفهمه من تبحر في علم الحقائق (وَ) لكن (ما أُوتِيتُمْ) شيأ (مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) بمقتضى قلة علمكم
(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من المشتمل على الحقائق الغامضة لكن لو ذهبنا به فاتك وكمل أصحابك علمها (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا) يطالبنا به إذ لا طريق إلى علم الحقائق سوى الوحى الالهى
(إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) فإنها كالوكيل لك لو لم ينزل عليك القرآن لكن لا بطريق الايجاب بل بطريق التفضل (إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) فلو قطع عنك القرآن لتفضل عليك بطريق آخر فإن قالوا فلم لم يتفضل عليك بطريق آخر بل عين القرآن
(قُلْ) ان فضله بإنزال القرآن ليس كفضله بطريق آخر لأن القرآن جامع لما لا يتناهى من الحقائق وغيره ليس كذلك لذلك (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) المتفرقون زمانا ومكانا مع اختصاصهم بالعلوم الجليلة الدقيقة (عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ) المشار إليه بالاشارة القريبة لقرب مأخذ حقائقه ودلائله ورفع شبهاته (لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) لأن غايتهم افادة أمور متناهية والقرآن مشتمل على ما لا يتناهى فلا يتصور حصولها منهم (وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) معينا سيما بعبارة اليق من النظم والنثر مخالفة لاسلوبها
(وَ) لا يخل بإعجازه تكرار لاخبار فيه مع اختلاف العبارات فانا (لَقَدْ صَرَّفْنا) أي أورناد على انحاء مختلفة (لِلنَّاسِ) الغافلين عن بعض الفوائد من عبارة ليتذكرها من أخرى ولا بد من جميع الفوائد (فِي هذَا الْقُرْآنِ) الجامع لها سيما في الأمور الجليلة (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي أمر عجيب يضرب به المثل لكن المبالغة في جميع الفوائد افضى بالعامة لقصور نظرهم على ظاهر التكرار إلى إنكار الإعجاز (فَأَبى) أي امتنع (أَكْثَرُ النَّاسِ) ان يستفيدوا شيأ من تلك الفوائد (إِلَّا كُفُورًا) حين كفروا بإعجاز القرآن الذي لا مجال لتوهم السحر فيه وقد توهموه في سائر المعجزات الفعلية
(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) أي لآياتك (حَتَّى) تأتى بما يشبه الثواب الأخروى مثل ان (تَفْجُرَ) أي تشقق (لَنا) أي لزراعتنا وغرسنا على العموم (مِنَ الْأَرْضِ) أي ارض مكة (يَنْبُوعًا) أي كثير الماء
(أَوْ تَكُونَ لَكَ) على الخصوص (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ) لا تتكلف في سقيها (فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها) أي في أوساطها لتصل الرطوبة إلى الكل (تَفْجِيرًا) لم يعهد مثله في كثرة الماء والسقى من غير عمل
(أَوْ) تأتى مما يشبه العقاب الأخروى مثل ان (تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ) ان نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء (عَلَيْنا كِسَفًا) أي قطعا (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ) الذي هو خالق الثواب والعقاب (وَالْمَلائِكَةِ) الذين هم أسبابهما (قَبِيلًا) أي ضامنا بصدق قولك فيصيروا ضامنين بالثواب والعقاب فكأنك جئت بعينهما فلا حاجة إلى الاتيان بما يشبههما
(أَوْ يَكُونَ لَكَ) إذا لم تأت بما يشبه الثواب والعقاب